طفلي تعرّض للتنمّر – ما العمل؟

"وصل الدبدبوب، وصل دب الباندا". يخبر جاد* بتأثر عمّا تعرّض له من تنمّر من قبل أقرانه في المدرسة. "كنت أحزن كثيراً وأنزوي خلال الاستراحة وأبكي وأنتظر حتى انقضاء اليوم الدراسي، ولم أكن أحب المدرسة بالرغم من أنني تلميذ مجتهد. تكلّمت مع والدتي في الموضوع فطلبت مني أن أتحلّى بالشجاعة وألّا أسمح لأحد بإزعجاي قائلةً لي أنّ كل إنسان هو مميّز وإن كان مختلفاً. "لقد جئنا إلى هذا العالم لنتعرّف على بعض ولا توجد تفرقة!"


يتعرّض نصف التلاميذ في العالم ما بين سن 12 و15 عاماً إلى التنمّر والعنف من نظرائهم\نّ داخل المدرسة وفقاً لتقرير صادر عن منظمة الطفولة "اليونيسيف" بعنوان "درس يومي... القضاء على العنف في المدارس." وبحسب المنظمة نفسها، فإنّ التنمّر هو أحد أشكال العنف الذي يمارسه طفل أو مجموعة من الأطفال ضدّ طفل آخر بهدف الإزعاج بطريقة مختلفة ومكرّرة. وقد يأخذ التنمّر أشكالاً متعدّدة مثل نشر الشائعات، أو التهديد، أو مهاجمة الطفل بدنياً أو لفظياً، أو عزل الطفل بقصد الإيذاء. وقد يكون التنمّر إلكترونياً، أي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قد يتعرّض الطفل للابتزاز الإلكتروني، على سبيل المثال لا الحصر.


ويترك التنمّر آثاراً قد تكون مدمِّرة في بعض الحالات بالنسبة للضحية. فالطفل الذي يتعرّض للتنمّر قد يعاني من فقدان الثقة بالنفس وتراجع في المستوى الدراسي، وكذلك من الخجل الاجتماعي واحتمال حدوث مشاكل في الصحة النفسية كالاكتئاب على سبيل المثال، أو القلق الدائم...

 

ضحايا التنمّر

تعرّضت منال* للتنمّر من قبل معلمتها في المدرسة، حسبما تقول! "كنت تلميذة جيدة. في أحدى المرّات، طُلب مني أن أمثل لبنان في مناسبة خارجية. وعندما عدت إلى المدرسة، تمنّع رفاقي عن إعطائي الدروس التي تمّ شرحها أثناء غيابي، بالرغم من إلحاحي عليهم. توجّهت والدتي إلى إدارة المدرسة التي طلبت من كل معلمة أن تعطيني الدروس التي فاتتني بسبب سفري. وفي إحدى الحصص، طلبت مني معلمة أن أكتب على اللوح قاعدة لم أكن قد تعلّمتها. وعندما لم أفلح بكتابتها، سخرت مني أمام الجميع وقالت أنه ليس لدي أي طموح أو معرفة، وذلك سبّب لي حزناً كبيراً. لم أخبر أحداً في البداية، وانزويت في غرفتي وبكيت كثيراً. وفي المدرسة، عندما كانت تطلب أي معلمة أن نقدّم امتحاناً ما، كان يصيبني الانهيار وأبدأ بالبكاء وأرتعب من المسابقات والمدرسة ومن كل المعلمات، وخصوصاً عندما أسمع أي صوت عال... أخبرت والدتي بالأمر لأنني لم أحقق نتائج جيدة في امتحان منتصف العام. توجّهت والدتي إلى المدرسة وتكلمت مع المعلمة التي لم تتجاوب معها واستمرّت في تحطيم معنوياتي. بالرغم من كل ذلك، بمساعدة من أهلي، أصرّيت على عدم الاستسلام، وتقدّمت لامتحانات نهاية العام، ونجحت بتفوّق لأنني كنت أريد ذلك بشدّة!"


"عادةً ما يتعرّض للتنمّر الأولاد الذين يعانون من هشاشة في الشخصية مقارنةً بباقي الأطفال. وهؤلاء الأطفال يتأثرون بشكل كبير" كما تقول أميرة سكر رئيسة الاتحاد اللبناني لحماية الأحداث. "هناك أشكال عديدة من التنمّر، كالتنمّر في المدرسة أو التنمّر الألكتروني على شبكات التواصل الاجتماعي. وكل أشكال التنمّر هي مرفوضة تماماً".


يقيم الاتحاد وجمعيّة "حماية" دورات تدريبية عن التنمّر للتوعية على أسبابه ومخاطره وتحديد كل الأمور التي قد تؤثر على شخصية الطفل\ة. وتضيف سكر أنّ بإمكان الطفل أو أحد أفراد العائلة تقديم شكوى قضائية أمام الظابطة العدلية. وفي هذه الحالة، يرافق القاصر مندوب من قبل الاتحاد. وفي حال كان الوضع متأزماً، تتمّ إحالة الحالة إلى جمعيّة متخصّصة تقدّم له دعماً نفسياً واجتماعياً.


من جهتها، تقول المدرّبة ورئيسة جمعيّة "كن إيجابي" ملك عيتاني، والتي تقوم بحملات توعية ضدّ التنمّر على المستوى المحلي مع الأطفال والأهل على حدٍّ سواء، كما في الإعلام ومن خلال ورشات عمل مختلفة، أنّ الجمعيّة تستقبل أيّ طفل تعرّض للتنمّر، وتقدّم له تدريباً، وتقوم بعملية دمجه مع الأطفال الذين يتردّدون على الجمعيّة من خلال نشاطات ترفيهية وتعبيرية كالرسم أو التلوين وحتى التصوير، فيتمكّن الطفل من التعبير عن مشاعره بما يساعده على تخطّيها. وفي الحالات المتقدّمة، يتمّ تحويله إلى معالج نفسي مختص.


أمّا المجلس الأعلى للطفولة فهو الإطار الوطني لتكامل القطاعين الرسمي والأهلي لرعاية وإنماء الطفولة بما يتوافق والاتفاقيات الدولية، وخصوصاً إتفاقية حقوق الطفل، بالتعاون مع المنظمات الدولية المتخصّصة. وهو يقدّم عدداً كبيراً من البرامج التي تعنى بالطفل، ومنها برنامج وقاية الطفل وحمايته من كل أشكال الاستغلال وسوء المعاملة والإهمال إضافةً لبرنامج حماية الأطفال من سوء استعمال الإنترنت واستغلالهم.

 

"المواجهة" ضرورية

يوضح الكاتب والطبيب النفسي أحمد سعيد أنّ توعية الأهل لأبنائهم  بما يتعلّق بالتنمّر وكيفية التعامل مع المتنمِّرين من الأمور الأساسية لمواجهة الحالة. وبما أنّ المتنمِّر يختار ضحاياه المنعزلين، من المهم إحاطة الطفل بمجموعة من الأصدقاء لمنحه شعوراً بالاطمئنان والثقة. ومن المهم أيضاً، بحسب سعيد، إبلاغ المسؤولين في المدرسة عن الحالة، وإعلام الطفل بأنّ الإبلاغ ليس دليل ضعف وعلامة على الجبن والعجز، بل هو تأكيد على الجرأة والشجاعة، لأنّ ذلك سيوقف المنتمِّر عند حدِّه، كما سيساهم في إنقاذ أطفال آخرين.


ولأنّ المتنمِّر لا يتوقّع من ضحيته المواجهة، من المهم التشديد على الطفل ألّا يستسلم للانفعال، بل أن يعمد إلى الردّ بحزم على المتنمِّر، وذلك عبر كلمات واضحة وبسيطة مثل "توقّف عن ذلك"، والحفاظ على اتصال العين عند مواجهة المتنمِّر، والإبقاء على صوت هادىء، والوقوف على مسافة مناسبة منه، واستخدام إسم المتنمِّر عند التحدّث إليه. وبالإمكان القيام بهذه التمرينات في المنزل مع الطفل، مع ضرورة تبديل الأدوار، لكي يكتسب المهارة والثقة.


أخيراً، من الأساسي توعية الطفل على عدم التحوّل أبداً لشخص عنيف وعدواني جرّاء أفعال المتنمِّرين، وتعليمه الثقة بالنفس، وعدم السماح لأيّ شخص بالتشكيك به، والأهم، أن يدرك حقيقة الفرق بين المتنمِّر وبينه.


لقد ذهبت آيات إلى أبعد من ذلك. فقد حوّلت التنمّر الذي طالها، بسبب إعاقتها الحركية،  إلى دافع للتقدّم والمواجهة. "في أحد الأيام، قرّرت أن أقوم بما أحبه، أي السباحة التي كانت هواية شبه مستحيلة بالنسبة لي بسبب التشنج في جسدي. ولكن ثابرت وتحمّلت الأوجاع كي أنجح بتحقيق هدفي"، تخبر آيات بحماس. وتضيف أنّ ذلك دفعها لممارسة هوايات أخرى كالمشي في الطبيعة بالرغم من انزعاج بعض المرافقين بسبب بطء حركتها.

"التنمّر الأكبر الذي تعرّضت له كان في الجامعة. عندما طُلب مني أن أقوم بتدريب عملي، لم أنجح بذلك بسبب حالتي الصحية. فخلال مقابلات العمل، كنت أتعرّض للانتقادات والتنمّر بسبب عدم قدرتي على القيام بالمهمات المطلوبة، وتلك الأمور سبّبت لي إحباطاً كبيراً. كنت بحاجة للعمل، فقرّرت تغيير اختصاصي الجامعي، وتوجّهت إلى إدارة الموارد البشرية، وخضعت لتدريبات عديدة. وبالرغم من التنمّر، قدّمت محاضرات عديدة حول التحدّي، وخصوصاً للأشخاص ذوي الإعاقة. وبدأت بعملي الخاص من خلال بيع الكتب المختصّة بالأعمال على الإنترنت، وذلك ساعدني على تعزيز معرفتي بعالم الأعمال. وأنا اليوم بصدد إصدار كتاب عن تجربتي وعن العمل في مجال الموارد البشرية..."


"يجب أن يكون هناك عقاب رادع لمنع التنمّر على الطفل من قبل أقرانه أو مَن هم أكبر سناً وحتى من الأساتذة"، تقول أميرة سكر. فـ"انطلاقاً من مبدأ المساواة والمصالحة مع الذات، يجب أن يكون هناك سياسة ضدّ التنمّر، وتفعيل قانون جرائم المعلوماتية للحدّ من التنمّر بكل أشكاله، لا سيّما التنمّر الإلكتروني الذي بات شائعاً اليوم مع تحوّل الإنسان إلى مواطن إلكتروني إذ بات يقوم بكل شيء تقريباً مستخدماً الانترنت، وتعريف الطفل بحقّه... فالتنمّر هو نوع من الجرائم التي يجب معاقبة مرتكبها."


*تم تبديل الأسماء


فيلم رسوم متحرّكة حول التنمّر وكيفية المواجهة

Write a comment

Comments: 0