· 

مسجون حتى الشفاء

لقطة من الفيلم
لقطة من الفيلم


السجن هو تلك الغرفة المغلقة والتي لا تفتح بابها الا اذا أتى الحكم بذلك، وهو كذلك العالم الكبير الذي نعيش فيه مرغمين ولكن نأمل بالتحرر منه يوماً ما. السجن هو جسدنا وعقلنا اللذان يتحكمان بنا ولكن لا نعرف كيف نتحكم بهما.


من السجن الكبير في رومية، لبنان، ينظر أحد السجناء من النافذة ويرى مدينة بيروت خلف أشجار الصنوبر. يصف المدينة بنيويورك لبنان. يعتبرها قبيحة وفارغة، ولعله على حق، ولكن بالرغم من ذلك فهو يشتاق لرائحتها والخروج إليها. قد يكون "حظه" أفضل من أولئك القابعين في "المبنى الأزرق" حيث يوجد المحكومين بالسجن حتى الشفاء من بعض الأمراض النفسية.

تقول زينة دكاش، مخرجة فيلم "السجناء الزرق" والمعالجة النفسية، أن القانون لا يُنصف هؤلاء إذ من المستحيل الشفاء بالمعنى الحقيقي للكلمة من الأمراض النفسية إنما بالإمكان الوصول إلى حالة من الاستقرار الذهني تسمح للمحكوم عليه أن يعود إلى عائلته والمجتمع.


الفيلم الوثائقي يأخذنا إلى داخل "المبنى الأزرق" لنتعرف على بعض الحالات وسبب دخولها السجن والبقاء فيه لمدة طويلة جداً بحيث تغدو الأعوام مجرد أرقام في بيئة غير مألوفة وفي مبنى يفتقر إلى أبسط مقومات العيش.


الجدير بالذكر أن هذا المبنى تم بناؤه من قبل شقيق أحد المحكومين عليهم في سجن رومية لارتكابه جريمة قتل. ولأن المجرم يعاني من مشكلات نفسية قرر أخوه أن يبني له هذه العمارة ليعيش فيها نظراً لأوضاعه النفسية الحرجة. وبعدها صارت إدارة سجن رومية تحيل إليه المجرمين من المرضى النفسيين.


 ومن خلال الشريط تطمح دكاش ومعها عدد من القضاة اللبنانيين إلى تعديل القوانين "المجحفة" بحق هؤلاء، خاصةً بعد فيلمي «12 لبناني غاضب» و«شهرزاد» اللذين كشفت فيهما عن معاناة السجناء من نساء ورجال في لبنان. هذا وقد تمّ إعداد مشروع قانون يحررهم من عبارة «لحين الشفاء» تم التوقيع عليه في مجلس النواب اللبناني لدرسه ولا يزال في أدارجه. 

الفيلم الوثائقي «السجناء الزرق» تمّ تصويره أثناء جلسات العلاج في الدراما والمسرح التي أقامتها المخرجة زينة دكاش عامي 2015-2016 داخل السجن. ويغوص سجناء رومية «العاديين» في أعماق تجارب زملائهم من ذوي الأمراض النفسية، وهم عبرّوا بصدق عن صعوبة وضع المريض النفسي مرتكب الجرائم، لأنه خاضع لمواد قانون العقوبات الصادر في العام 1943 والذي ينص على أن هؤلاء السجناء «المجانين» «الممسوسين» و «المعاتيه» يتم حجزهم في مأوى احترازي لحين ثبوت شفائهم.

وكما يعبر إحدى السجناء بمشهد من الفيلم: "لعلّ أقسى الاقدار واكثرها ظلماً تلك التي تحكم على المريض النفسي حكماً غير معروف الأمد في سجنين: سجن القضبان الخارجي وسجنه الداخلي."


شارك "السجناء الزرق" كمشروع في ورشة فاينال كت في فينيسيا عام 2020، وفاز فيها بجائزة مهرجان الجونة السينمائي وجائزة l’organization international de la francophonie، ودعوة للمشاركة في مهرجان "سينما المؤلف" في الرباط، المغرب.


هذا وتُؤدي جلسات العلاج بالدراما التي تقوم بها المخرجة زينه دكاش إلى عمل فني- كالمشاريع المسرحية والافلام الوثائقية الرائدة "12 لبناني غاضب"، 2009 و"يوميات شهرزاد"، 2013، "السجناء الزرق"،2021 التي قدّمها عدد من السجناء  - تكون بالنسبة للمجموعات الخاصة  وسيلة  للمُناصرة و لتعديل وإستحداث القوانين وتغيير السياسات والممارسات بحقهم،  وبالتالي تُمَكِّنُهم من إيصال رسالتهم إلى المجتمع وصانعي القرار.


انها اذاً محاولة طموحة لتغيير القوانين في لبنان وجعلها متطورة ومواكبة للعصر وبخاصة انها لم تتغير منذ أربعينيات القرن الماضي. تعترف دكاش أن الأمور ليست بسهولة كبيرة مع وجود أطراف متعددة ومتشعبة لأزمة يعاني منها المساجين، لكنها مع ذلك لا تريد أن تستسلم وتطمح من خلال عملها إيجاد بقعة ضوء لهؤلاء المساجين الذين، بالإضافة للقوانين المجحفة بحقهم، يعانون من الوحدة القاتلة وظروف سيئة داخل (وخارج) السجن.


"السجناء الزرق " ، الفيلم الثالث للمخرجة زينة دكاش، من تمثيل سجناء رومية والذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان الجونة السينمائي، سوف يكون متوفراً للمشاهدة من قبل الجمهور على الأراضي اللبنانية على منصة Aratok.com إبتداءً من 5 تشرين الثاني 2021 (تُباع البطاقات على Antoine Ticketing).