آثار العنف المنزلي أقوى على الأفراد من آثار الحروب

في إطار المؤتمر السنوي لمستشفى القديس جاورجيوس الجامعي – الأشرفيّة،  أقام قسم الطب النفسي وعلمه  في المستشفى ندوة عن "الصحّة النفسيّة المجتمعيّة"، عرض المتحدثون فيها عدداً من المشاريع التي نفذت أو تنفذ حالياً ضمن مجتمعات محدّدَة، كالنازحين السوريين وتلامذة المدارس وكشف خلالها الدكتور إيلي كرم وهو طبيب نفسي وباحث في قسم الطب النفسي وعلمه في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي وفي كليّة الطب في جامعة البلمند ورئيس جمعية "إدراك"، عن دراسة  أجرتها إدراك في عدد من المدارس اللبنانية على تلاميذ سوريين ولبنانيين، أظهرت أن "آثار العنف المنزلي أقوى على الأفراد من آثار الحروب"

 

وتحدّث مدير برنامج هارفرد لصدمات اللاجئين (HPRT) في مستشفى ماساتشوستس وكلية الطب في جامعة هارفرد البروفيسور ريتشارد موليكا، أحد أهمّ الباحثين في مجال رعاية الصحّة النفسية للناجين من العنف والصدمة في العالم، عن موضوع عودة اللاجئين عموماً إلى بلدهم، وتطرق إلى مشروع "غطا" للنازحين السوريّين في لبنان، الذي ينفذه "مركز الالتزام المدني وخدمة المجتمع" في الجامعة اﻷميركية في بيروت بالتعاون مع برنامج هارفرد لصدمات اللاجئين. واشار إلى "مقاربة جديدة يفترض أن تُعتَمَد في شأن اللاجئين، لا تقوم على توفير الحاجات الضرورية لهم فحسب، كالمأكل والمشرب والمأوى، بل تركّز أكثر على إعادة تأهيلهم وترميم وضعهم النفسي المحطّم لكي يكونوا قادرين على استعادة حياتهم الطبيعية". وأوضح أن  "النموذج الجديد للتعاطي مع اللاجئين يتمثل في العمل منذ اليوم الأول للجوء على تحضيرهم نفسياً للعودة إلى ديارهم، بدلاً من طرح هذا الموضوع بعد سنوات طويلة من وجودهم في بلد اللجوء". 


كذلك أفاد بأن الدراسات التي أجراها على عينة من الأطفال النازحين في لبنان أظهرت "أنهم شهدوا وعانوا أعمال عنف مروّعة  وأن معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب كانت أكثر من 50 في المئة، فضلاً عن أن أعداداً كبيرة من الأطفال كانوا عرضة للتنمّر والعنف المنزلي."


كذلك تناول مدير "مركز الالتزام المدني وخدمة المجتمع" في الجامعة اﻷميركية في بيروت ربيع شبلي برنامج "غطا"، وتأثير "البيئة التصالحية" على الصحّة النفسيّة للاّجئين في لبنان. وأشار شبلي إلى أن أكثر من نصف اللاجئين السوريّين الذين يعيشون في لبنان هم تحت سن الثامنة عشرة، وأكثر من 60% منهم من دون تعليم. 


وأضاف: "مع أن الأزمة دخلت سنتها السابعة، ما زالت منظمات الإغاثة تستخدم الخيم بكثرة للسكن والتعليم، ومتوسّط عمر الخيمة هو ستة أشهر، والمواد المستخدمة في تصنيعها ليست متلائمة مع تقلبات الطقس". وأوضح أن تدخّل "غطا" تمثّل قي إقامة عشر مدارس نقّالة في مخيّمات اللاجئين تخدم نحو 5 آلاف تلميذ سنوياً. 


وبالشراكة مع برنامج هارفرد، اجرى "مركز الالتزام المدني وخدمة المجتمع" دراسة على اللاجئين السوريّين لتقييم مدى تكرارووقع مشاكل الصحّة النفسيّة ونتائج صدمة اللجوء (اضطراب ما بعد الصدمة، الاكتئاب، القلق) على الأولاد ما بين 12 و14 سنة الذين يقصدون مدارس "غطا" بالمقارنة مع الذين يقصدون المدارس المقامة في الخيم. 

 

قرداحي

 

أما كارولين قرداحي تابت، المعالجة النفسية للأطفال والمراهقين في قسم الطب النفسي وعلمه في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي وفي كليّة الطب في جامعة البلمند وجمعية "إدراك"، فكانت مداخلتها بعنوان "تدخّلات بناء القدرة على التكيف والمرونة داخل نظام المدرسة". وتناولت برنامجاً يهدف إلى "تعزيز القدرة على التكيف عند الشباب، ويشمل "العمل مع الأولاد والمراهقين المعرّضين للمخاطر"، ونماذج التدخّل الهادف إلى تعزيز قدرة الأطفال والمراهقين على التكيّف وتحسين صحّتهم النفسيّة في وجه المصاعب.


وهذا البرنامج تم تنفيذه في مدارس عدة مع أخصائيين نفسيين وساعد كذلك أطفالاً لبنانيين تعرضوا للحرب إضافة إلى أعداد كبيرة من اللاجئين، كي يتعلموا أدوات سلوكية تساعدهم على تخطي الصعوبات النفسية التي يتعرضون لها. كذلك انتهى البرنامج إلى تحديد سلسلة من التحديات والتوصيات في ما يخص العمل الميداني مع اللاجئين في مجال الصحة النفسية. 

 

 

 

إيلي كرم

 

وتحدث الدكتور إيلي كرم عن "تطوير الصحّة النفسيّة والقدرات الشخصيّة"، من خلال نتائج تدخّل علاجيّ يهدف إلى تحسين السلامة النفسية للأطفال والمراهقين بواسطة أساتذة في صفوف الدراسة. 


وتم توفير هذا البرنامج لكل من اللبنانيّين والنازحين السوريّين في صفوفهم. وقد أظهرت الدراسة أيضًا دور الكفاءة الشخصيّة كوسيط مهمّ في تنبؤ التحسن في نتائج الصحة النفسية (مثال الاكتئاب والقلق).كذلك ارتكزت الدراسة على مؤشر مهم في درجة تأثر الأطفال نفسياً وهو درجة حساسية الطفل (أي إلى أي حد يكون الطفل حساساً).


 أما أبرز نتائج الدراسة فهي أنها بيّنت أن "سوء المعاملة في البيت والعنف المنزلي الذي قد يتعرض له الأطفال اللاجئون، تشكّل عوامل تؤثّر سلباً على صحتهم النفسية، وتأثيرها أكبر من أثر الحرب على الطفل"، على ما أوضح كرم. لذلك، شدد على أهمية "العمل على توفير بيئة منزلية سليمة في سبيل تحسين صحة الأطفال النفسية".