· 

من خلف القضبان إلى فضاء من التلاقي


لا يتكلم "زوادة" كثيراً مع من حوله، لكنه يتكلم مع نفسه ولديه بعض الحركات التي يقوم بها بشكل غير إرادي. يهتم عبيد محمد بزميله "زوادة"، الذي يعاني من مرض نفسي، داخل سجن روميه في لبنان.


عبيد، السجين السابق، نزح من سوريا في العام ١٩٩٦ بحثاً عن فرصة عمل لتأمين مستقبله. كان يبلغ العشرين من العمر عندما خالط رفاق السوء في إحدى ضواحي بيروت. كان يتعاطى المخدرات وسهّل عملية قتل أحد الأشخاص مما تسبب له بالحكم عليه بالسجن لقضاء ٢٠ عام بسبب هذه الجريمة.


"في اللحظة التي دخلت فيها السجن شعرت بالمعنى الحقيقي لكلمة الأسر"، يقول عبيد وفي صوته غصة، "كنت أحسد الطائر الذي يقف على شباك غرفة السجن على حريته وأتمنى لو كنت مكانه ولو للحظة وأن أرى الشمس وأشعر بأشعتها على جلدي."


في الأيام الأولى التي دخل فيها السجن، اعتبر عبيد أن ذلك قد يكون فرصة ذهبية للتغيير. "حملت علبة السجائر ورميتها. كنت مدمناً على المخدرات ولكني في السجن ويجب أن أتأقلم وذلك كان صعباً جداً." يخبر عبيد عن الأيام التي قضاها في السجن وكانت صعبة جداً حسب ما يؤكد.


بعد العام ٢٠٠٦ تعرّف على المعالجة بالدراما زينة دكاش التي كانت تبحث عن سجناء للمشاركة بورشات عمل لتقديم عمل فني في ما بعد. "ترددت كثيراً قبل الانضمام إلى مجموعتها. شعرت بالخجل والتلعثم بالكلام وبما أنني أريد أن أجعل أيامي في السجن أفضل، قررت الإنضمام." يشرح عبيد بحماسة ويضيف، "مع زينة تعلمت أشياء وأمور كانت غائبة عني مثل كيفية التواصل مع الآخر وتقبله."


شارك عبيد في العمل المسرحي، فكان في المرحلة الأولى منسقاً لحضور ومشاركة المساجين في ورشات العمل ثم حانت اللحظة الكبيرة عندما شارك كممثل أمام جمهور كبير من القضاة والمحامين والنواب وأهل الإعلام وذلك عزز ثقته بنفسه وحبه للعمل التطوعي داخل السجن حيث كان يقوم، وبشكل مجاني، بأعمال السنكرية داخل العنبر ويساعد زملائه كذلك وبخاصةً الأجانب منهم، كالفرنسيين أو البرازليين مثلاً، فكان يقوم بالتنسيق مع أهله وحتى خطيبته من خارج السجن لتأمين ما يلزم لهم من ملبس وطعام.


مشواره في المسرح لم يكن سهلاً دائماً، إذ كان عليه مواجهة ما يسمى بالمافيا داخل غرف السجن، فهم حاولوا إحراق المكان، فساعد بعملية إعادة الترميم بالإضافة إلى عمله التطوعي في عمليات الصيانة والكهرباء داخل السجن. هذا ولم يتردد عبيد للحظة في انفاق ماله الخاص، الذي كان يكتسبه من عمله في مجال صناعة الشمع، في مساعدة زملائه السجناء وتقديم ما أمكنه إليهم.


قبل خروجه من السجن شارك عبيد محمد في الفيلم الوثائقي "السجناء الزرق" في دور السجين "زوادة"، ويدور الفيلم حول معاناة السجناء داخل المبنى الأزرق حيت يتم احتجاز السجناء الذين يعانون من مرض نفسي "حتى الشفاء" حسب ما ينص القانون في لبنان. "شاركت بالفيلم لأنه من المهم إلقاء الضوء على معاناة هؤلاء السجناء"، يقول عبيد، "من غير المقبول أن يبقوا دون متابعة قانونية وصحية لوضعهم لأجل غير مسمى، ومشاركتي في الفيلم هي للتعبير عن كل المصاعب التي يواجهونها بالإضافة إلى الوحدة القاتلة التي يعاني منها البعض منهم إذ لا أحد يقوم بالسؤال عنهم وعن حالهم."


هذه الوحدة يعرف عبيد معناها جيداً بعيداً عن خطيبته وأهله. داخل السجن كان يفكر بهم دائماً ويقوم بجمع المال ليعود ويعقد قرانه على خطيبته التي انتظرته سنين طوال ليخرج من السجن.


الأهل، يعرف عبيد قيمتهم جيداً، "لا شيء يمكن أن يعوض الأهل، الرفاق يتخلون عنك في لحظة ضعفك وعندما ينتهي المرح، ولا يبقى إلا أهل الإنسان." يقول عبيد بوعي كبير ساعده على تحمل سنين الزنزانة الطويلة.


عندما حانت لحظة تحرره من السجن، غمرته الفرحة لملاقاة خطيبته وأهله. وبعد ١٧ يوم من خروجه عقد قرانه على خطيبته وكان الحفل صغير لكن ذلك كان كافٍ لهما.


حاول البحث عن عمل في كل مكان وكان محظوظاً أن بادر شقيق زوجته بمساعدته على فتح محل صغير للمفروشات المستعملة ولكن مع جائحة كورونا وانفجار بيروت تغيرت الأمور وانقلبت رأساً على عقب. أراد عبيد أن يكون مفيداً للمجتمع، فبعد أن شارك في بناء مستوصف لمعالجة المصابين بكوفي ١٩ في الضاحية الجنوبية لبيروت، إنضم إلى شركة تقوم بترميم المنازل التي تضررت جراء الانفجار وبخاصة في مناطق كبرج حمود أو الكرنتينا بالتعاون مع عدد من الجمعيات الغير حكومية.

وعن عمله في هذا المجال يقول عبيد، "يقوم المهندس بوضع مخطط لأعمال الصيانة التي من الواجب القيام بها، لكن داخل كل منزل تختلف الأمور على الأرض وعادةً ما تطلب ربة المنزل أعمالاً إضافية كتصليح حنفية مياه أو وصل سلك كهربائي وأقوم بالتصليح والصيانة بالرغم من أن تلك الأمور لم تكن مدونة على لائحة المهام."


وفي المنازل المدمرة يصادف عبيد أناس من كل الفئات، فالحياة هي أيضاً سجن ولكن أكبر ومطّعم بنكهة الحرية الزائفة. "في إحدى المرات سمعت مراهق يصرخ بوجه أمه في منزل كنت أعمل على ترميمه. اقتربت منه ومددت يدي نحوه ليرى وشماً من أيام ما قبل السجن وقلت له أن والدتك هي أغلى انسان وعليك المحافظة عليها... هذا الوشم سيبقى ذكرى أليمة ولكن ضرورية كي لا أنسى ما مررت به وما عانيته..."


بدأ عبيد بالتحضير لحياته الجديدة من داخل السجن فتواصل مع أهل الضحية اللبنانية التي كان السبب وراء مقتلها وطلب السماح منهم، "كانوا جماعة متسامحين وطلبوا مني أن أكمل حياتي"، يقول عبيد بامتنان كبير لأهل الضحية لأن ذلك ساعده بفتح صفحة جديدة.


"بت اليوم أفكر بكل خطوة قبل القيام بها واحسبها بشكل صحيح وبت أفكر بالأعمال الصالحة... لن يمكنني العودة إلى الوراء ولن أقدر على تصحيح الأمور السابقة، لكنني تعلمت منها وأود أن أشارك تجربتي مع الجميع لتجنب الوقوع في 'الخطأ' لأن التجربة وحدها من علمني وأحاول أن أنقلها إلى كل من يريد أن يسمعني."


ينتظر عبيد بفرح وشوق كبيرين مولوداً ذكراً بعد ٤ شهور.

لقطة من الفيلم
لقطة من الفيلم