· 

الشاويشة أم حسّان، لاجئةٌ وأكثر 



هدى العوض أو "أم حسّان". إسم عادي لامرأة قد تبدو، للوهلة الأولى،عاديّة. لجأت إلى لبنان عام ۲۰۱٤ هرباً من الحرب ورغبةً في تأمين حياة آمنة لأولادها. وصلت إلى منطقة المنية في شمال لبنان، حيث سكنت وعملت مدّة سنة، لكن عجزها عن دفع تكاليف الإيجار أجبرها على الإنتقال إلى مخيّم في عكّار أقامت فيه طيلة سنتين، ثمّ قصدت مخيم "022" الذي كان يضمّ ١٤ عائلة.

 

"بدأت القصة بمزحة، عندما سألني أصحاب الأرض وأحد الأهالي إذا كان باستطاعتي استلام إدارة المخيّم. لم أمانع. تركت عملي وباشرت بمهمتي الجديدة. الدافع الأكبر كان رغبتي بالبقاء إلى جانب أولادي في المخيّم".

 

فور استلام "أم حسّان" عملها في المخيّم، تعرّفت إلى عضو في منظمة "مشوار"، الذي دعمها "كوني امرأة في هذا الموقع"، بحسب تعبيرها، وساعدها على توثيق علاقتها بالمنظمة، وبالتالي على توفير الكثير من حاجات ساكني المخيّم.

 

سرعان ما أصبح لـ"أم حسّان" لقب يناديها به جميع من يعرفها: "الشاويشة"! لطالما كان لقب "الشاويش" حكراً على الرجال، وها هي "أم حسّان" تؤنّثه إذ أثبتت قدرتها على مجاراة الرجال، بل تفوّقها بجدارة في تسيير أمور المخيّم وتوفير الأمن والنظام فيه. لقد بات الفرق شاسعاً بين حالة المخيّم السابقة وما أصبح عليه اليوم. تؤكّد "الشاويشة": "التغيير كبير، خصوصاً بالنسبة لمن يزور المخيّم فيلحظ هذا التغيير." وما ارتفاع عدد العائلات من ۱٤ ليصبح ٣٢ إلّا الدليل القاطع بأنّ أوضاع المخيّم إلى تحسّن.

 

"في البداية، كنت خائفة بعض الشيء من ألّا أعدل بين العائلات لدى توزيع المساعدات التي تؤمّنها المنظمات غير الحكومية، خصوصاً بالنسبة للعائلات الأكثر حاجةً للمساعدة، فسَعَيْتُ لأن أتقرّب من الجميع حتى أتمكّن من معرفة حاجات كلّ عائلة." وتفاخر "أم حسّان" بأنه "مع الوقت، بتّ أعرف القاطنين في المخيّم فرداً فرداً. وما ساعدني في ذلك هو تنظيم العمل، من اليوم الأوّل، من خلال وضع لوائح تتضمّن أسماء أفراد كل عائلة وأعدادهم وأعمارهم والمعلومات الصحيّة الأساسية المتعلّقة بهم". لم تتوانَ "أم حسّان" عن متابعة حالة كل عائلة عن كثب، وسَعَت إلى تلبية حاجات الجميع في العلن كما في السرّ، محافِظةً على الخصوصيات ومراعيةً صون الكرامات. "بالطبع، إذا سمعتُ مثلًا أنّ هناك من نام من دون تناول وجبة العشاء، أتأكّد من الأمر من المقرّبين منه، وأؤمّن له مساعدة من دون معرفة أحد".

وبفضل دائرة المعارف التي أقامتها "الشاويشة"، أصبحت قادرة على مساعدة كل مريض، أكان يحتاج لدواء أم لمعاينة أم لعملية جراحية. "حتى شخص لديه مشكلة في البطاقة مع الأمم (المتحدة)، أو أشخاص من خارج المخيّم يعانون من أزمة ما، أصبح بإمكاني مدّ يد العون لهم وتأمين المساعدات اللازمة لهم".

 

أبرز إنجازات "الشاويشة" إنشاء مدرسة وتنظيم دورات تدريب. "لم يكن هناك مدرسة في المخيّم ولا حتّى في الجوار. وبما أنّني أؤمن بحقّ الأطفال في التعليم، أقمتُ مدرسة داخل المخيّم، تطوَّعت فيها مدرِّسة لبنانية، وكذلك ابنتي وفتيات من المخيّم للمساعدة".

أمّا الأمّهات والمراهقات، فخُصِّصت لهنّ "جلسات توعويّة أسبوعية تقدّمها طبيبة، تتحدّث فيها عن الرضاعة وتربية الأطفال والزواج المبكّر والتغييرات البيولوجية. تنعقد هذه الدورات داخل المخيّم كما في مركز قريب تابع لإحدى الجمعيّات". أقبلت الفتيات والنساء على هذه الدورات وقد تشجّعن "كوني امرأة وأشعر بهنّ" وفق ما تشير "الشاويشة"، وذلك على عكس ما كان يحصل مع المسؤولين السابقين عن المخيّم".

وتذكر "أم حسّان" إحدى المشاكل التي واجهتها خلال تنظيمها هذه الجلسات: حضور نساء مع أطفالهنّ الذين لا يجب أن يستمعوا إلى مضمون الجلسات غير المناسب لهم. "وجدتُ حلًّا يناسب الطرفين: الأطفال يلعبون مع فتاة متطوّعة من المخيّم والنساء يتكمنّ من حضور الجلسة". ولا تتوانى "أم حسّان" عن تأدية دور المرشدة، فتقدّم النصيحة للفتيات اللواتي لا يصارحن أهاليهنّ بمشاكلهنّ.

 

ترحّب الجمعيّات بالتعاون الذي أرسته معها "الشاويشة" إذ "لا تقتصر المشاريع على اللاجئين/ات فقط، بل يتمّ تنظيم مشاريع دامجة لشباب وشابات من الجنسيتين السورية واللبنانية، ودعوتُ نساء لبنانيات لحضور الجلسات".

لا تطال مخططات "الشاويشة" النساء حكماً، بل هي تعمد إلى تخصيص نشاطات للرجال وتأمين حاجات الأولاد، لا سيّما تلك المتعلّقة بتحصيلهم العلمي مثل القرطاسية والكتب، إلخ.

 

خلف قصة نجاح "الشاويشة"، تلوح ملامح اعتراض واستخفاف، إذ تخبر "أم حسّان" عن استغراب واستنكار بل رفض إحدى العائلات لتولّيها هذه الوظيفة. لقد تردّدت على مسامعها عبارة "كيف تضعون امرأة فوق رأسنا؟". كذلك ارتفعت في المخيّم المجاور تساؤلات واحتجاجات، لكن "بعد مشاهدة نتائج عملي، تغيّر رأيهم وسألوني عن إمكانية استلامي لمخيّمهم أيضاً، وتربطنا الآن علاقة مودّة وتعاون"، تقول "الشاويشة" التي يغمرها شعور عارم بالرضا عن أدائها وبالارتياح لتقدير عارفيها لجهودها.

 

إحتمال أن تتسلّم "أم حسّان" إدارة المخيّم المجاور وارد، لكنها وإن قبلت بهذه المهمة الجديدة، فهي ستصرّ على إبقاء المخيّمين منفصلين بهدف تعزيز استقلالية كلّ منهما، تحديداً بالنسبة لتلقّي حصص متوازية من المساعدات". لكنها تقلّل من إمكانية قبولها بهذه المسؤولية الإضافية: "أنا أستطيع، لكنّ أولادي بحاجة لي، خصوصاً أنّ زوجي متوفي. كما أنّني لا أظنّ أنّ كبارالمخيّم يقبلون أن يأتي أحد غريب لترؤسهم، فماذا لو كانت إمرأة؟"

 

لكن كونها امرأة لم يشكّل أبداً عائقاً بالنسبة لها إذ تربط "الشاويشة أم حسّان" علاقات جيّدة، بل تعاون وثيق وتبادل للخدمات مع نظرائها من الرجال الذين يتولّون مركز "الشاويش" في مخيّمات أخرى في مناطق البقاع وعكّار. وإن كان لهذا الواقع الذي بات بمثابة المكرّس بالنسبة لـ"أم حسّان"، استثناءاتٌ، فهي تتعامل معها بحزم: "وصلت مجموعة من الشيوخ من بيروت، طلبوا مقابلة الشاويش، وعندما حضرت، امتعضوا قائلين: "بدنا رجّال نحكي معه"، فقلت لهم "الرسول (ص) كان يستقبل نساء ويستمع إليهنّ، فمن أنتم؟" ولم أستقبلهم."

 

وبنفس الأسلوب الحاسم، تواجه "الشاويشة" إتهامات وظنون من يبادرون اللاجئات السوريات بنظرة دونية: "أنتم مخطئون في حقّنا. حتّى وإن كانت المرأة أرملة مثلي، هذا لا يعني أنّنا متاحات للتحرّش والاستغلال".

بجرأتها، بعزيمتها، بتصميمها ... "الشاويشة أم حسّان" مُلهمة للاجئات السوريات، فلا صورة نمطيّة تصمد في وجه صلابتها ولا معاملة سيئة تُخمِد شغفها ولا قدرٌ يقرّر مصيرها.

 

برلا الراعي