· 

أين تبخرت بلادُ الأحلام ؟

منال شحادة


"كُنا نُسرع في الإفطار ونشرب القهوة على عجل فرغم قِصر المسافة إلى بيروت إلاّ أن الإزدحام يُبطئْ من الوصول، السُياح تملئ لبنان، أصحاب الشركات، موظفو الدولة، عاملو الاتصالات والصيادون ناهيك عن وسائل النقل العامة...... 

  لازلنا ننهض باكراً ورغم اندثار الحياة التي ملأت الشوارع يوماً إلاّ أن قِصر المسافة إلى بيروت قد يساعد في إيجاد وقودٍ يوصلنا للطائرة المغادرة في المساء! كم كانت أحلامنا واسعة!" 


أصبح الوجع المنبه الذي نصحى عليه كلّ يوم، لا نعرف من الحياة إلا التوتر والخوف، نُعاني لنجد خبزاً، نموت لنؤمن وقوداً يوصلنا لعلمنا وعلى الطرقات نرى دموع جدٍ مكتومة بعيون حفيده وهو يقول "جوعان جدو". كيف ضاقت هذه البلاد علينا وكيف عدنا خمسين عاماً إلى الخلف! 

لا شكّ بأن لبنان يعيش اليوم أزمةً خانقة قد تكون الأزمة الأشد في التاريخ فمن تأمين المواد الأساسية الذي أصبح "رفاهية" للشلل الذي يعانيه سوق العمل وصولاً لانهيارات كارثية في جميع القطاعات التربوية والثقافية والاقتصادية، هذه الأزمة دفعت بشريحة الشباب لفقدان الأمل بشكلٍ كامل ومع ازدياد الضغوط وسوداوية المستقبل تحولت الحياة في لبنان لفوضى عارمة أشعرتنا بفسادٍ مؤسسي هائل والكارثة أننّا بدأنا نشعر بانتقال الفساد إلى نفوس الناس حيث انتشرت الجريمة والتهريب وإخفاء البضائع عن الشعب لبيعه بسعرٍ مضاعف في السوق السوداء أو لحصره في طبقةٍ معينة من الناس قد تكون الأكثر ثراءً أو الأكثر قُرباً لصاحب المواد. 

هذا الانهيار الاجتماعي يبدو واضحاً أكثر برؤية السخط الكبير في مواقع التواصل الاجتماعي وهي تصرفات مفهومة من قبل جيلٍ فقد كل ما يملك وضاعت بلده التي كُنيت يوماً ما بـ "سويسرا الشرق" لما فيها من حرّيةٍ إثنية واقتصادية وما فيها من سلام بين مكوناتها العرقية والسياسية، قد حلّت الفوضى وفي الغالب فلا خروج من هذه الدائرة في المدى المنظور، قد طالت الأزمة واشتدت، سيصعب علينا أن نلوم جيل الشباب فهو لا يملك إلا مُتنفساً واحداً متمثلاً بهذا المدى المفتوح  على شبكات الإنترنت وخارج هذه المساحة الافتراضية الحُرّة فإننّا لا نملك إلا الجري يومياً خلف لقمة عيشنا نحن ونحن فقط دون مبالاة بأحد غيرنا وعندها لا أعرف كيف سننظر للجد الذي يُخفي عينيه من حفيده الذي يقول بأمل "جوعان جدو"!