· 

فقدان الأدوية... البقاء على قيد الحياة دون دواء


بالكاد تستطيع نوال* التحدث. "نفسي مقطوع" تقول وهي تلتفت يميناً ويساراً. "لقد فتشت في كل مكان عن الدواء. لم أجده... ٤ أو ٥ صيدليات في المنطقة وكلها تقول لا يوجد! أين اختفى الدواء؟" تسأل السيدة الخمسينية والتي أجرت عملية في القلب منذ أكثر من سنة وتعاني من السكري. تأخذ المرأة حبة للقلب وحبتين للسكري ومنذ بدأ أزمة الدواء في لبنان، لا تجد هذه الحبوب وإن وجدتها هذا الشهر، لا تجدها الشهر القادم.

مع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها لبنان بالإضافة إلى الشح الكبير في العملات الأجنبية، بات من الصعب على الصيدليات ومستوردي الأدوية تأمين المخزون الكافي للمرضى والمريضات على كامل الأراضي اللبنانية.

حال سعيد* قد تكون مختلفة بعض الشيء. يترّجل من سيارة الأجرة التي يملكها ويتوجه إلى صيدلية في منطقة جل الديب المتنية. هو أيضاً لم يجد دواء الضغط الذي يأخذه في كل صباح. وضع سعيد قد يكون أفضل من غيره لأن الصيدلية التي يقصدها في منطقة سكنه تؤمن له الدواء كل شهر. "زيادة الخير، خير!" يقول سعيد ملمحاً إلى تخزين بعض علب الأدوية في منزله تحسباً لأي طارىء. "سيرفعون الأسعار قريباً وأنا بالكاد أستطيع أن أشتري الخبز، الدواء ضروري ومن المهم تخزينه في المنزل." ينهي سعيد حديثه قبل التوجه إلى سيارته لينطلق برحلة بحث جديدة في منطقة ثانية.

تخزين الدواء في المنازل من الأسباب الإضافية التي ساهمت بأزمة الدواء في لبنان. يشتري شخص واحد دواء يكفيه لسنة وبذلك يكون قد أخذ من حصة غيره... قد يكون مفهوماً الخوف من فقدان الأدوية في الأسواق لأن اللبناني يؤمن أن "الصحة أهم شي"، ولكن تطرأ هنا مسألة مهمة، وبالغة الخطورة في آن، ما هي المدة الزمنية التي يبقى فيها المريض/ة على قيد الحياة دون تناول الدواء وبخاصة من يعاني من الأمراض المزمنة كالسكري والضغط أو الأمراض المستعصية كالسرطان؟

حملنا هذا السؤال إلى الطبيب والأستاذ الجامعي إيلي سالم الذي أوضح أن الإنسان يبقى على قيد الحياة دون تناول الدواء لمدة تتراوح بين يوم وعدة أسابيع. وإذا أخذنا في الإعتبار عدم قدرة المريض/ة على الوصول إلى المستشفى والحصول على الإسعافات الأولية فإن من يعاني من الربو مثلاً قد يتوفى مع أول أزمة تنفس تأتيه.

أما في حالة السكري أو الضغط، فعدم تناول الدواء يؤدي في المرحلة الأولى إلى مشاكل في الشرايين، ومرضى السكري سيتعرضون لمشاكل في الكلى ولن يستطيعوا أن يبقوا على قيد الحياة أكثر من أسبوعين إلى ثلاثة.

أما مرضى القلب، يضيف د. سالم، وفي حال لم يأخذوا الأدوية التي تنظّم عمل عضلات القلب، قد يتعرضون لجلطات وتلف في الشرايين ولن يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة لأكثر من ٣ أيام في حال لم يتناولوا الدواء.

وبالنسبة لمرضى السرطان، وذلك حسب نوعه ودرجة خطورته، ففرص البقاء على قيد الحياة تكون من أسابيع إلى شهر أو اثنان. ومن جهة أخرى، في حال عدم تناول أدوية الأعصاب فإن ذلك لن يؤدي إلى الوفاة إنما عدم القدرة على السيطرة على الحالة وبخاصة عند حدوث نوبات.

أخيراً، من المهم التذكير بضرورة تناول الأدوية بانتظام واستشارة الطبيب المختص الذي قد يوجّه المريض/ة لتناول دواء مشابه للمفقود. ويبقى على الدولة اللبنانية العمل على تأمين الأدوية للأمراض المستعصية والمزمنة لأن الأمن الصحي للمجتمع لا يقل شأناً عن الأمن الإقتصادي أو الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، بإمكان الدولة التوجه للاستيراد المباشر من قبلها للأدوية وذلك بهدف تأمينها للسكان بشكل دائم ومستدامة لمنع تكرار الأزمة في القادم من الأيام.

* أسماء مستعارة