· 

بين أحياء القبور وأموات القصور

بعد ما يقارب الثلاثين عاماً من حلقات "البرامج الحوارية" والأفلام الدعائية والحلقات التلفزيونية الموجهة والمدفوعة الثمن لإعلاميين تعاقبوا على وسائل الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب في لبنان، أقل ما يقال في الكثير منهم أنهم مرتشون ، وبعد ان فعلت مواقع التواصل الاجتماعي فعلها في السنوات الخمس الاخيرة، تشكلت في لبنان عقلية تؤمن أن كل منتج غذائي محلي هو  فاسد وكل موظف هو مرتشي وكل طبيب هو تاجر أعضاء وكل سياسي هو منافق وكل رجال الدين لا يعرفون الله ، وكل سكان لبنان لا تجوز عليهم الرحمة... وها نحن اليوم نجني الثمار المرّة، وهي فقدان الثقة في كل ما حولنا حتى صرنا بلا دولة ولا مرجعية ولا نصدق أحدًا وننتظر ان يحركنا الزعيم بكلمة ، وبذلك يكون أعظم جرم ارتكبه شعب لبنان هو  إطاعة من كانوا في السلطة الفاسدة وتصديق وعودهم الكاذبة ، وها نحن امام حل وحيد وهو شطف الدرج من فوق الى تحت مرورًا بكل مسؤول وحاكم ظالم ، وقد صار ذلك لزاماً واجباً. ويجب عدم  إطاعتهم بعد اليوم،  وعصيانهم والتمرد عليهم اذا استطعنا الى ذلك سبيلا ، إضافة الى التضرع الى الله أن يحرق قلوبهم  لانهم  يحرقون شعبهم وهم احياء ويقضون على مستقبل ابنائهم ، هذا الشعب الذي فقد الأمل ولم يعد يشعر بالحياة وهو يصارعها .

‏أما وقد وصلنا الى جهنم وصارت حياة  نصف سكان لبنان المتواضعين تشبه حياة سكان القبور ، حيث هم يعيشون في ظلام دامس وحيث صارت بيوتهم اشبه بالقبور تخلو من  الأرواح ، بل صارت اشبه  "بالمشرحة" لا تجد فيها سوى أجساد ، بيوت صارت اشبه بمقابر جماعية لاناس يعيشون الممات في الحياة ، بعضهم يموت قهراً او ذلاً بدون عمل والبعض الاخر ينام والبطون خاوية بسبب سوء الغذاء او نقص في الاستشفاء والدواء. وبالرغم من ذلك نجد للأسف شريحة كبيرة من هؤلاء من اصحاب الجثث المتحركة لا يزالون يعبدون الحاكم المعبود او ما يُعرف في لبنان بالزعيم .

ايها الرب الاله نسألك الرحمة لشعب لبنان والإسراع إلى نجدته لان الهلاك يكاد يدركه ، كما ننتظر أن يأتي اليوم الذي يخرج فيه سكان القبور الموحشة من أهل بلادي الأحياء ويقضون على سكان القصور من حكامنا الفاسدين الذين لا يعنيهم الفقراء ولا يشعرون بجوعهم ومعاناتهم ، انتم الذين نهبتم خيرات بلادكم سوف تجدون الفقراء في قصوركم يلعنون نسلكم من بعدِكم يا حكام الذًل والظلمة!

أنتم الذين انطفأت الرحمة في قلوبكم ، وانتم الذين أسقيتمونا الذل رغماً عنا حتى صرنا ننتظر الحسنات من الدول لكي تتبرع وتهب لنجدتِنا لأنكم نهبتم شعبكم ووطنكم وسرقتم خيراته ،  لكم نقول  تذكروا جيدا ان صراع سكان القصور مع سكان القبور هو  تاريخي، وهو ينتهي دوماً بنتائج متشابهة لدفن الديكتاتور، مهما طغى وتجبّر وظن بأنه خالد الى الابد وأشطر ممن سبقه.

نقولا ابو فيصل ✍️