· 

سنرجع.. #٢ أخبرني العندليب


قد تكون اروع رسالة وصلتني منذ أيام التالية "أبكيتني بقصتك التي كتبتيها عن يافا العودة ويوسف طفل العودة الفلسطيني.. انا يوسف.. هل يمكن ان اتصل بك.." رن جرس هاتفي.. بطل قصتي الحقيقي يخابرني ويتحدث إلي قائلاً: "أشكرك عزيزتي لما كتبت ووثقت من تاريخ لعائلتي ابو خضرة مازلت ابكي حتى اللحظة من سردك لقصتي...... تخيلي أنني كنت سابقى مع الصهاينة لأنشأ بينهم لولا أن تذكرت عمتي وأمي أنني ما زلت في المنزل.. يومها كان القصف مدمرا.. وكان والدي رباح يرفض ان يترك الارض وأن يرحل كان ٤ أيار ١٩٤٨ يوما حاسما في تاريخ عائلتنا التي تقطن في يافا.. صرنا نسمع هدير الانفجارات تقترب من بيتنا وظننا أنه علينا الفراق والرحيل عن بيتنا وتاريخنا لمكان آمن.. 

تركت النساء المصاغ، تركنا كل ما نملك وخرجنا بذهول من البيت وركبنا في سيارتين وانطلقنا وجيراننا يعتمرون سقف السيارات.. الا ان أمي تذكرت اني لم أكن معهم وهنا توقفت السيارة وعاد عمي كنعان ادراجه للمنزل فوجد الصهاينة قد بدؤوا بسرقة منزلنا.. ترجل عمي ودخل قائلا.. لا أريد شيئا.. فقط اريد الصبي خذوا كل ما ترغبون به فقط .. يوسف هو ما أريده. كنت مستلقيا بهدوء على الارض.. حملني عمي وخرج راحلا ولم يلتفت خلفه.. توجهنا إلى مجدل وكان عمي الآخر  يومها مديرا لبنك الامة مكثنا عنده بضعة ايام ومن ثم رحلنا إلى غزة.. ومكثنا عند عمة والدي السيدة الفاضلة أم عبدالله ضيوفا.. كانت السيدة أم عبد الله وابنتها مْكرّم من اخيار القوم وكانت تقيم في غزة ولديها من التقديمات الكريمة ما يستحق أن يذكر .. فقد تبرعت بمبلغ ١٠ الاف جنية استرليني للمملكه العربية السعودية لبناء مستشفى في المدينة المنورة كهبة من الشعب الفلسطيني لاخوتهم في المملكة في تموز من  العام ١٩٣٥ كذلك فقد  قامت بالتبرع لانشاء مستشفى وجامع في غزة.. وكان والدي يشرف بنفسه يوميا على بناء هذه المستشفى. 

عندما اعلنت دولة فلسطين اصبحت هذه المستشفى مقرا للحكومة الفلسطينية هل تعلمين ما يحزنني؟  هذا المبنى تدمر في القصف الاخير منذ أيام.. تاريخ يدك خلال دقائق. هل تعلمين معنى ان يفر المرء من صاحبته وبنيه... إنه يوم مهول.. أن ينسى المرء  فلذة كبده ويهرب.. لا يمكنني تخيل فكرة ان اكون نسيا منسيًا بين حجارة منزلي  وصهاينة تعبث وتسرق وتنهب وتستحل.. ماذا كان سيحدث لو تأخر عمي .. هل كنت سأقتل في عمر الطفولة، هل كانوا  سيأخذونني رهينة عندهم ويبيعونني لعائلة صهيونية لانشأ بينهم كطفل مسكين وأحصل على جواز سفر ~إسرائيلي~ ربما كنت سأجند في صفوف الاحتلال وأقود طائراتهم وأقصف أهلي واخوتي دون علم مني او ذنب....  هل تعرفين ما معنى الكارثة.. ما حل بنا كشعب.. نكبة تواطئت علينا الأمم متحدة.. لم أعد اسكن في فلسطين.. تنقلت بين الدول.. لم نترك فلسطين بارادتنا.. لم نرحل لاننا نريد.. لكننا لنا الحق في العيش بسلام.. 

المؤامرة أكبر من شعب واكبر من أرض والطموح كبير.. ختم يوسف كلامه.. وتشكرني على ما كتبته.. وبقيت افكر وأتأمل.. شكرا يوسف لانك مررت بي فأنت كاسمك المشتق من فعل وسف أي كشف وأظهر... أظهرت لي الكثير الكثير...  لم أستطع يوما أن أتخيل حجم الظلم الذي تعرض له الشعب الفلسطيني وحجم المؤامرة التي حاكتها الصهيونية العالمية التي تذرعت بأرض الميعاد.. ووعد بلفور.. هذه الماساة التاريخية التي حلت بوطن، بشعب، بقلب ينبض حزنا، يخفق ألما ينزف دما، لموت  دماغي اصاب الارض العربية.. هذه الأرض هي ارض عربية.. كم من يوسف عبر التاريخ سلب من اهله والتحق بجيش العدو دون علم منه او ذنب.. كم من يوسف نشأ بعيدا عن والده عندما تآمرت وتواطئت عليه الظروف والامم...استيقظوا قبل ان يتم اقصاؤنا طوعا.. قصرا.. عنفا َ.. سلما.. أو استسلاما.. أميرة سكر


المراجع: كتاب صحافي من فلسطين يتذكر 

جريدة الجامعة العربية 

كتاب Pity the Nation 

للكاتب روبرت فسك