· 

بسم الله والدم

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


كانت تقضم أظافر قدميها! حرفياً كانت تقضمهم بِنَهَم بعدما استهلكت أظافر يديها، لم تستطع أن تترك هذه العادة التي تصيبها حين تتوتر، مذ كانت طفلة، لكن تفاقمت تلك الحالة بعد زواجها وبعد الذي حدث صباح اليوم، لذلك، انتقلت إلى الغرفة المجاورة لغرفة نومها وهي مصدومة، لا تستطيع البكاء، ولا النحيب، فبدأت بالقضم ربما كحلّ مؤقت، فهذه المرة الأولى التي يجب عليها أن تقرر فعل شيء، لكنها بدت عاجزة، ولم تعرف ماذا تفعل!

ظلت جالسة على الأريكة الضيقة التي تحاوط ردفيها ككرسي تعذيب، ثم توقفت عن قضم أظافرها، وبدأت تسهم في الفراغ، تبحث في اللا شيء عن شيء، لكن لا شيء يَشي بحَلٍّ آتٍ، فالكهرباء مطفأة، والهدوء يعم المكان بشكل مزعج، وهي واجمة تنظر للحائط وكأن فيه سراً ما، مع أنه خالٍ من أي أثر ولم يُعَلَّق عليه لوحة حتى، ربما هي تشبهه، أو شبّهوها به، فمُذ بدأت تنضج ويتكوّر نهداها، قرر أهلوها أن لا تقرر هي شيئاً، تماماً كالحائط، فقد ألبسوها الحجاب وأخفوا ضفائرها الشقراء التي كانت تتغنى بهم وتتباهى، لكن ليس بعد اليوم، فمذ رأت الدماء تخرج منها ذات نهار انقلبت دنياها، وتمنّت لو لم تقل لأمها  التي أخبرتها إن هذه الدماء تعني أنها كبرت وصارت "صبية"، رغم أنها مازالت في الثالثة عشرة من العمر، ولا تعلم ما سر هذا الألم الذي يسبب الدماء، ولم يخبروها، فهي لم تتعلم سوى شيء واحد فقط في حياتها، وهو "القرآن"، وذلك على يد شيخة الضيعة "أم مسعود"، التي تدرّس الفتيات ضمن حلقات دينية مصغّرة في منزلها المجاور لمنزل أهلها.

كانت "أم مسعود" تقول إن في القرآن راحة وإجابة على كل شيء يساور الإنسان من تساؤلات وشكوك، وإنه يبعد عنه الألم والخوف والجزع، لذلك تمسكت به وحفظته كله بسرعة، فقد كانت سريعة البديهة، وتحاول أن تجد إجابات كثيرة على أسئلتها، فهي لا تعرف مثلاً لماذا أبوها تزوّج مرّتين على أمها، ولا تدري لِمَ كان أخوها يقول لها إنها "ناقصة عقل وستبقى ناقصة"، مع إنها لا تجده رجلاً كاملاً، فهو يغيب عدة ساعات عن المنزل ويسهر ويسكر، ويعود مخبئاً زجاجة جعته داخل قميصه، لقد شاهدَته ذات ليلة، ولا تعلم لِمَ تستجيب أمها لكل أوامر أبيها دون أن تنبس بحرف مع أنه كان ينهرها عدة مرات وحين تسألها عن سبب سكوتها الدائم كانت تقول "إن الله لن يرضى عني إن لم أُطِعْه".

لم تجد الأجوبة في القرآن عن تفاصيل حياتها التي لا تعرف لماذا تحدث في بيتهم الريفي البسيط، فقررت أن تستخدم كلماته كجرعة راحة وقتما تشعر بالتعب، وجاء هذا اليوم حين شاهدت الدماء تنزل من أسفلها، فلقد قررت أن تقرأ القرآن بعد الرعب الذي حلّ بها آنذاك، كي يزول عنها الخوف والجزع كما قالت "أم مسعود"، لكن نهرتها أمها ونهتها عن هذا وقالت لها "لا يمسسه إلا المطهرون"، فاستغربت الموقف كثيراً، لِمَ تكون هي غير طاهرة مثلاً؟ ماذا فعلت؟ أكل هذا بسبب الدم المهبلي اللعين؟ تباً له، فقد منعها عن الكتاب الوحيد الذي قرأته في حياتها وتحبه.

ليس كذلك فقط فقد جاءت "أم مسعود" بنفسها بعد شهر، وقالت لأمها إن لديها عريس "محرز" واسمه "محرز" أيضاً، فهو يملك أرضاً  زراعية كبيرة وبيتاً ولديه ولد واحد من زوجته المتوفاة ولكنه سافر إلى بلاد بعيدة اسمها "كنكا" كما سمعتها تقول لأنه كان على مشاكل كثيرة مع أبيه كونه يخالف شرع الله، و"محرز" يريدٌ فتاةً كَعوب تدير شؤون منزله ويهنأ بجمالها، فقد بلغ الخامسة والخمسين من العمر وبقي بدون زواج لعشر سنوات بعد وفاة زوجته بالسرطان.

ابتسمت أمها ولأول مرة كرهتْ ابتسامتها، وكرهتْ "أم مسعود" أيضاً، خصوصاً حين سمعتهما تُقنعان أبيها بهذا الزواج الذي سيكون مقابله نصف قطعة أرض "محرزة"، فلم تجد إلا أبيها قد دخل غرفتها ووجدها تقضم أظفارها وقال لها "بكرا كتب كتابك"، ولم تعرف ماذا يقصد بالكتاب، فهي لم تعرف سوى كتاباً واحداَ في حياتها، قالوا لها إن فيه الحلول والدواء، وهو "القرآن"!.

ابتسمت حين تذكرت ذلك وذهبت لتقرأ من صفحاته، علّ قلبها يرتاح ويحل الله مشكلتها، لكنها لم ترتَح ولا لحظة، رغم أنها قرأت جزأين وعدة سُوَر بما فيهم "سورة النساء"، إنما بالها لم يهنأ ولم تستطع النوم، وبقيت هكذا عدة ليالٍ حتى وجدت نفسها مصبوغة بالحِنّة، وشعرها مقصوص، وترتدي فستاناً أبيض لم تختره، هي لم تقل سوى "موافقة" من وراء الباب للشيخ الذي كتب الكتاب، حتى أن هذه الكلمة لقّنتها إياها "أم مسعود" وحين قالتها زغردت مع باقي النسوة المجتمعات وراء الباب، وكلهنّ قلنَ لها إن الزواج سترة وستفرح كثيراً بالأطفال الذين ستنجبهم، حاولت أن تبتسم، لكنّ حُمرة الشفاه كبّلتها، وكانت تقرأ في قلبها ما تحفظه من القرآن طالبةً من الله ألا يتم الأمر، ونتيجةَ الخوف، ظلت بطنها تؤلمها طيلة فترة حفلة الزفاف، ولم تنتبه للمحبس الذي ألبسه إياه زوجها في إصبعها، ولا للعقد الناعم الذي وضعه في رقبتها، كان همّها أن ينتهي كل شيء وتحديداً ألم بطنها، لكن ذلك لم يحصل.

وحين عادت للبيت مع عريسها، كانت ترجف بشدة، فقد قيل لها إنها يجب أن تفعل أشياءً معينة في السرير لا تتقنها، ولا تعرف ما هي، وحين فكرت في الموضوع ازداد ألم معدتها، وفجأة وجدت فستان عرسها ملطخاً بالدماء من الأسفل، وهذا ليس بموعده، فاكفهرّ وجه العريس الضخم، ونظر لها بحُنق، ثم خرج من الغرفة دون أن يحكي حرفاً، وعلى وجهه سمات الغضب، أما هي خلعت فستانها، دخلت الحمّام وانفجرت دماءً ودموعاً.

في اليوم الثاني وجدت نفسها وحيدةً على السرير ولم يمسسها أحد، فتذكرت أن أم مسعود قالت لها ذات يوم إن الزوج لا يقرب زوجته وهي "غير طاهرة"، فابتسمت وشكرت الله أنها "تنجّست" اليوم، وتمنت أن تبقى "نَجِسة" دوماً، أحبّت دماءها لأول مرة، وتمنت أن يستمر  بالسيلان طويلاً، لكن ذلك لم يحدث، فبعد يومين جاءت أمها للمنزل وبدأت تلطم وجنتيها على ما حدث، وبقيت عندها ليلتين حتى تأكدت أن الدماء جفت، ثم أخبرت "صهرها" شيئاً وخرجت من المنزل.

تقدّم هو منها، ورمقها بشهوة من الأعلى للأسفل، وقد كانت ترتدي فستاناً صيفياً رقيقاً برز منهما فخذاها النحيلتان ونهداها المكوّرتان، فاقترب أكثر نحوها ولمس كتفها، ارتعشت كثيراً، ثم رماها على السرير بهدوء غيرَ آبه، وبدأ بخلع ثيابه وهو يسمّي بالله ويقول "اللهم لا تجعل الشيطان يشاركني بها" ثم وَلَجها، أما هي شعرت بوخزة حادة ثم غرقت في ألم نفسي وجسدي، وظنت أنه يقصد نفسه بهذا الدعاء، فلم ترَ فيه إلا شيطاناً!.

وحين جاءت أمها إلى منزلها مع "أم مسعود" بعد يومين من "الحادثة" زغردتا، وأخبرتا الضيعة أن كل شيء على ما يرام، أما هي لم تعرف سوى الدماء التي تسيل، عند الخوف، عند البلوغ، وعند الولوج، لكنها كانت تتساءل لِمَ قالت لها والدتها إن دماءها غير طاهرة حين تنزل لوحدها، وطاهرة حين وَلَجَها زوجها، ففي الحالتين هما "دماء"، كانت تستفسر عن المعيار الذي يفرّق بين الطهر والنجاسة.

لم تعد تقرأ القرآن كما ذي قبل، فقد انشغلت بتحضير الطعام والغسل والتنظيف طيلة النهار، لم يعد لديها وقت كافٍ لفعل كل شيء، حتى أن صديقتها "هدى" لم تأتِ لزيارتها بعد زواجها كما كانت تفعل قبلاً، وحين سألت عن السبب يوماً، قالت لها أمها إن "هدى" لم تتزوج ومازالت صغيرة، أما أنتِ فقد أصبحتِ "سيدة"، في حين استغربت هي ذلك لأن عمرها كعُمر "هدى"!

كل ما تعرفه الآن أن الليل كان يأتي وهي منهكة، تضع رأسها على الوسادة فتنام فوراً، وأحياناً تشعر بيد زوجها تتسلل نحوها، فتتركه يفعل بها ما يشاء وتستمر في النوم، فلا لذّة ولا متعة في اغتصاب مشروع!.

بعد شهرين أخبرت أمها أنها في حالة صحية متعبة، فهي تتقيأ وتدوخ، وكانت دوماً تخبر جارتها المجاوِرة لبيتها أن تتصل بأمها كي تأتي، فلا هاتف أرضي في منزلها، وحين جاءت أمها وأخبرتها عن وضعها زغردت من جديد، لا تدري لِمَ الكل يزغرد حين تكون متعبة!.

تذكرت كل هذا وهي مازالت واجمة ساهمة في الجدار، تحسست بطنها وبدأت تفركه، ثم أخذت تتألم وتبكي، وتبكي، وتبكي، وتصرخ بكل ما أوتيت من صراخ، كاسرةً صمت كل السنين القليلة الماضية من حياتها التي جعلوها فيها حائطاً بلا مشاعر، كان صراخها كزئير لبؤة، وبكاؤها كعويل ثكلى لم تنجب سوى الحرمان، ذهبت نحو الشباك نادت لجارتها محاولةً ألا تظهِرَ أي شيء على قسَمات وجهها لها، حيث غيّرت ملامحها بسرعة وادّعتِ الصرامة، وطلبت من جارتها أن تتصل بأمها وتخبرها أن تأتي في الحال، وحين عادت لداخل بيتها أكملت بكاءها وألمها وصراخها، ثم حاوت أن تهدئ نفسها وهي تقرأ عدة آيات ثم تُبسمل وتُحوقل، وبعدها مسكت القرآن وفتحت إحدى صفحاته وبدأت تقرأ علّها ترتاح.

كان آخر ما سمعته هو ضربٌ قوي على الباب، ثم صوت خلعه، ثم ولولة أمها، وغامت الدنيا بعد ذلك، فقد وجدوها ملطخة بدماء الإجهاض ومغمىً عليها وبين يديها كتابها الذي لم تفكر في أن تقرأ غيره، وفي غرفة النوم وجدوا زوجها أيضاً مغمىً عليه ولا يصحو على أصواتهم المرعوبة.

ووريت الثَّرى وهي ذات أربعة عشر ربيعاً، وكل الضيعة كانت تتحدث عن شدة حبها ووفائها لزوجها وحزنها عليه، واستغربوا هذا الحب الذي أودى بحياتها مع أنها تزوجته قبل ثلاثة أشهر فقط، تماماً كما استغربوا عودة زوجها للحياة بعد انخفاض حاد في سكر الدم أفقده الوعي على سريره ذلك الصباح.

في العزاء، نظرت أمها للجدار الذي كانت تنظر له ابنتها عند مماتها، وبقيت ساهمةً فيه واجمة، شعرت أنه يريد أن يقول لها شيئاً آخر، لكن الجِدار لا يمكن أن يتكلم، بكت بحسرة وفتحت الكتاب الذي بين يديها وأخذت تقرأ من "سورة النساء" كرمى لروح ابنتها.


جوان ملا