· 

مكتبة قطر الوطنية تحافظ على كنوز الماضي بأحدث التقنيات الرقمية


تقوم مكتبة قطر الوطنية بدور بارز في الحفاظ على الثقافة والتاريخ في قطر والخليج والعالمين العربي والإسلامي. ولكي تنهض بهذه الرسالة المهمة، تم تزويد مرافق المكتبة بالموارد والتجهيزات والبنية التحتية التي توفر أعلى مستوى من الرقمنة للمواد التاريخية والتراثية من أجل حفظها وإتاحتها للباحثين والأجيال القادمة في قطر، مع إتاحتها في الوقت نفسه للعالم بأكمله.

 

يقصد بالرقمنة تلك العملية التي تستخدم آلات المسح الضوئي وبرمجيات التمييز الضوئي للحروف في التعرف على النصوص من أجل تحويل المواد التراثية كالمخطوطات والكتب والصور والخرائط الورقية إلى نسخ رقمية تفهمها أجهزة الحاسوب وتستطيع تخزينها وتوفير إمكانية الاطلاع عليها في أي وقت ومن أي مكان في العالم. وقد قامت المكتبة حتى وقت كتابة هذه السطور برقمنة ما يزيد عن 10 ملايين صفحة من المجموعات المختلفة منها 5 ملايين صفحة باللغة العربية من المجموعة التراثية بمكتبة قطر الوطنية ونحو 2.8 ملايين صفحة من المجموعات العربية في مكتبة جامعة نيويورك.

 

وقد تسارعت وتيرة التحويل الرقمي للمواد في السنوات الماضية وأصبحت المكتبة تتبوأ مرتبة متقدمة في جهود الرقمنة في الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم. وتعمل المكتبة على الرقمنة عبر التمييز الضوئي للحروف وهي التكنولوجيا التي تساعد على استخراج النصوص من الصور الرقمية. وقد أصبحت العملية نفسها واسعة الانتشار سواءً من حيث الاستخدام أو البحوث، كما تدخل فيها العديد من التخصصات العملية مثل معالجة الصور والتعلم الآلي واسترجاع المعلومات والذكاء الاصطناعي.

 

يقول هاني الصاوي عبد اللطيف، رئيس قسم خدمات الرقمنة في مكتبة قطر الوطنية والمسؤول عن الإشراف على جهود ومبادرات المكتبة الضخمة في مجال الرقمنة: "استخدام تكنولوجيا التمييز الضوئي للحروف يجعل الوثائق تنبض بالحياة ويتيح للمستخدمين استكشاف كل حرف من المعلومات المخزنة فيها. لقد نجح فريق الرقمنة في المكتبة في إتقان العديد من الأساليب واللوغاريتمات التي تستخرج النصوص، وتمزج هذه الطرق والوسائل بين العمليات اليدوية البشرية وعمليات الأتمتة الآلية".

 

ويرى هاني عبد اللطيف أن اقتران التفاعل الإنساني مع التطور التقني هو المفتاح الأساسي لضمان نجاح عملية الرقمنة: "لقد أنشأنا نظامًا دقيقًا يحسن أعمالنا، وينسق أدوار ومسؤوليات الكوادر البشرية والآلات للوصول إلى الجودة القصوى للنص المستخرج.  وقد صمّم فريق الرقمنة في المكتبة باستخدام كلًا من الأدوات واللوغاريتمات نظامًا يحقق مستوى دقة بنسبة 99% في التعرف على النصوص العربية المطبوعة بناءً على الشكل والجودة والحجم. وقد استغرق ذلك بعض الوقت لإتقانه، وبدأنا نجني ثمار ذلك بعد أن أصبح لدينا الآن نظامًا دقيقًا ومعتمدًا".

 

يقوم أخصائيو الرقمنة في المكتبة بمسح مجموعة واسعة من المواد التراثية ضوئيًا، بما في ذلك المخطوطات النادرة والكتب والخرائط والصحف والمجلات والصور الفوتوغرافية والميكروفيلم. بعد ذلك يراجع الأخصائيون كل مادة على حدة لضمان الرقابة على الجودة، ويضطلعون بمهام مثل تصحيح منحنى الألوان وإعدادات الدقة وضغط الصور وإزالة أي تشويش قد يؤثر على نقاء الصورة ووضوحها وصفائها.

 

يقول ناصر الأنصاري، مدير شؤون عمليات تكنولوجيا المعلومات والبنية التحتية في مكتبة قطر الوطنية، إن عمليات الرقمنة في المكتبة ترتبط برؤيتها الشاملة للحفاظ على التاريخ والثقافة الإسلامية، ويُسهم التقدم التكنولوجي في جعل هذه الرؤية واقعًا ملموسًا".

 

ويضيف قائلًا: "تلتزم المكتبة بحفظ المواد التراثية وصونها ليس فقط في منطقة الخليج بل في العالم العربي والإسلامي أيضًا. لقد قطعنا شوطًا كبيرًا في إنشاء عملية محكمة لرقمنة المحتوى من أجل نشر المعرفة العربية الثرية، وسنستمر في العمل الدؤوب والمخلص من أجل تحقيق هذا الهدف، حيث يتيح لنا توفر أحدث التقنيات في المكتبة تحقيق هذا الطموح".

 

وبجانب الجهود المستمرة لرقمنة مجموعات المكتبة من الكتب والمخطوطات والخرائط والصور الفوتوغرافية النادرة، ينفذ مركز الرقمنة في المكتبة العديد من مشاريع الرقمنة بالتعاون مع المجموعات التراثية الأخرى في قطر والمؤسسات الدولية. ومن أمثلة ذلك مشروع التعاون مع جامعة نيويورك في رقمنة أكثر من ثمانية آلاف كتاب باللغة العربية من مجموعات مكتبة نيويورك وستكون هذه الكتاب متاحة عبر المنصات الرقمية لمكتبة قطر الوطنية.

 

ويضيف ناصر الأنصاري: "أهداف فريقنا متنوعة. نحن نرغب في تسهيل الاطلاع على المواد الفريدة والنادرة في مجموعات مكتبة قطر الوطنية ومجموعات المؤسسات الأخرى وتيسير استخدامها والاستفادة منها، بما يلبي الاحتياجات البحثية والتعليمية. نرغب كذلك في إتاحة الوصول إلى المجموعات في المكتبة التي لم يعد من الممكن الوصول إليها أو تصفحها أو مطالعتها بسبب حالتها الهشة القابلة للتلف بسهولة".

 

لقد أصبحت عمليات الحفظ والصيانة جزءًا مهمًا للغاية من إدارة مجموعات مكتبة قطر الوطنية التي تمثل أهم أصولها وأثمنها. فالرقمنة هي المفتاح الرئيسي لهذه العملية، ويدرك أخصائيو الرقمنة في المكتبة أهمية هذا الدور.

 

يقول هاني عبد اللطيف: "نأمل كذلك في تشجيع إنشاء المحتوى العربي الرقمي، مع حماية المواد الأصلية من خلال تقليل عدد مرات استخدامها والتعامل معها أثناء الاطلاع عليها لأغراض البحث والدراسة، والحفاظ على التراث والمواد التاريخية العربية والإسلامية النادرة والفريدة، ومن ثم حفظ تاريخنا الفريد للأجيال القادمة".

 

من جانبه، يرى ناصر الأنصاري أن الرقمنة تُكمّل خدمات الحفظ والصيانة الأخرى: "الرقمنة جزء من حزمة استثمارات طويلة الأجل في حماية موادنا التراثية، وتشكل عنصرًا محوريًا في خدمات الحفظ والصيانة. بخلاف الميكروفيلم، فإن الصور الرقمية لا تساعد في المحافظة على الأصل، لكن الرقمنة تساعدنا في تقليل كافة أشكال الضرر والتلف التي قد تلحق بالأصل جراء الاستخدام. ولهذا فإننا نرى أن الرقمنة ليست بديلاً لبرنامج الحفظ والصيانة لهذه المواد والذي يعتمد على إجراءات الحفظ السليمة أو تحسين ظروف التخزين، ولكنها جزءٌ أساسي من عملية شاملة لصون كنوزنا الثقافية والتراثية والمحافظة عليها".