· 

حدائق الحيوانات البشرية


تاريخياً، كان الاستعمار في بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية يهدف الى نهب ثروات البلدان المستعمَرة وصولاً إلى استغلال السكان وإذلالهم بشتى السبل.
‎في كتب التاريخ، فصول عن قصص الإستعمار المنسية ومنها عما كان يسمى المعارض الاستعمارية، وهي معارض كانت تقام بشكل منتظم في بعض العواصم الأوروبية، تعرض فيها كل دولة عظمى "إمبراطوريتها الاستعمارية" من أمم 
‎وشعوب بحيث كان يعرض رجال ونساء وأطفال من الشعوب المستعمَرة خلف سياج حديدي كالذي تُحبس فيه الحيوانات، ويجبرونهم على الظهور شبه عراة وعلى أداء رقصات بدائية، بهدف ترسيخ الصورة التي أرادها الغرب  المستعمِر أن يعممها لشعوب تلك المستعمرات على أنهم شعوب بربرية متوحشة وغير متحضرة، ما يبرر استعمارها واستغلالها ومعاملتها من دون أي مراعاة لأدنى معايير الإنسانية، بل وصلت الحال الى حدّ موت الآلاف من أبناء المستعمرات ممن عرضوا في هذه المعارض التي أطلق عليها المؤرخون تسمية "حدائق الحيوانات البشرية"، بسبب تعرضهم لعوامل الطقس أو المرض أو سوء المعاملة، وذلك طبعًا بعد موتهم من الداخل وهم لمّا لا يزالون أحياء

‎أكبر المعارض الإستعمارية أُقيم في باريس عام 1931 حيث استضافت الحديقة الإستوائية في العاصمة الفرنسية المعرض لمدة ستة أشهر زاره خلالها الملايين الذين جاؤوا من كل أنحاء أوروبا. وقد ضمّ ديكورات ضخمة لمباني معروفة في كمبوديا و فيتنام ومالي والسنغال وتونس والجزائر 
‎وغيرها من المستعمرات الفرنسية، "عُرض" فيها الآلاف من أبناء تلك المستعمرات. علمًا انه خلال الحرب العالمية الثانية توقفت المعارض الاستعمارية، فيما كان المعرض الوحيد الذي أقيم بعد الحرب في بلجيكا وذلك عام 1948

‎أما اليوم وبعدما أصبحت تلك المعارض جزءاً من الماضي البشع والموجع للشعوب، يبدو أن "مجرمي" العصر الحديث يستلهمونها بأشكال وطرق مبتكرة، كأن "يستعمر" حكام بلد ما شعبهم وليس شعوبا غريبة. ولعلّ حكام لبنان الفاسدين يقدمون أفضل مثال ونموذج. فها هم حكام المال والانسان في بلادنا يقومون بسجننا كمواطنين ضمن حدود ما كان يسمى "وطن الابداع والنجوم" ويتفننون بتعذيبنا بشتى الطرق المباحة وغير المباحة من دون أي رادع. وما المشهد الذي يتكرر كل عام من تعطّل الطرقات وتحولها بالامس الى بحيرات في المدن اللبنانية ولاسيما في العاصمة بيروت، إلا النتيجة الحتمية وأحد وجوه فساد "هؤلاء المستعمِرين الجدد" وإجرامهم والذي "يتجول منعدم الضمير" على طرقات قطاعات الكهرباء والطاقة والاتصالات وكل ما يؤمّن لهم تكديس المزيد من الثروات على حساب جيوب المواطنين التي أفرغت بعدما  استولت المصارف بالذكاء الإجرامي لحاكمها على جنى عمر المودعين لديها. ولا ننسى جريمة العصر بتفجير مرفأ بيروت بسبب إهمالهم، الى قرارات عرقلة التصدير وتدمير القطاعات الانتاجية وإقفال مصالح الناس وتجويعها ودفعها مكرهة على الهجرة...إنه الإستعمار في أسوأ وجوهه يمارسه حكام الفساد على اللبنانيين! ولأن لدينا الايمان بإستحالة زوال لبنان، ولدينا العزم على البقاء في هذه الارض، يبقى سلاحنا الوحيد في وجه الطغمة الحاكمة، الإرادة الصلبة والصمود ،فمهما كان الظالم قويا وليل الظلام حالكًا وطويًلا، لا بدّ أن يشعّ نور قيامة لبنان والحق والعدالة..فالله يمهل ولا يهمل. نقولا أبو فيصل