· 

المخدرات ولعبة القدر في الحياة

مساهمة في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات  د. أمل محمد بورشك اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين
مساهمة في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات د. أمل محمد بورشك اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين

 

ذاك الداء الذي يستفحل بنا ويقود كل من يقربه إلى التهلكة  ويدخل الأفراد المحيطين بهذا الشخص في مشكلة تلوالأخرى وها أنا أقف على قصة واقعية لا يستحق أفرادها إلّا التقدير وبدل أن يكون الزوج هوالحامي لعائلته أصبحت الدولة هي الحامية لها من بلاء هذا الأب والزوج فهنيئاً للعاملين بهذا القطاع على وقوفهم إلى جانب الأفراد الذين يعانون من الموجات المتوسعة لوقع هذا الداء على الأفراد . هذه قصة حقيقية آلمتني جداً ولكنها حدثت ليس بسبب إهمال الأم وإنما لسبب وجّه مستقبل أسرة كاملة إلى التهلكة . كلفت بعمل رسمي في مكان ما قابلت شخصية قيادية قوية لديها مبادئ لشدة قوتها ظننت أنها تتعامل مع أفراد من الشرطة ولكنها في مهنة ما لا علاقة لها إطلاقاً بالمهن العسكرية واستمرت فترة عملي في هذا الموقع لمدة ليست قصيرة وبدأت الثقة تتغلغل إلى نفسي تجاه هذه السيدة ثقتها طلاقتها حزمها للأمور ولا أعرف شيئاً عنها فلست ممن لديهم فضول  في التطرق لخصوصيات الآخرين ويبدوأنها كانت أيضاً تبادلني جزءاً من هذه الثقة فمازحتني قائلة : أكيد أنك تعرفين شيئاً عن قصتي؟! 

أضحكتني ! ومن هي حتى أتابع قصتها ؟! فكل فرد له قصة وأين نحن من الروايات العالمية أفراد يعيشون روتيناً ونحب أن نشكومن كل خطوة نقوم بها أشخاص كسالى نعاتب ونلوم الآخرين أفراد نبحث عن القشور من أجل لا شيء فنحن لن ننضج كفاية لنكون عمليين أفراد نحارب مع دول العالم على أجهزة التلفاز بأمان وبعد أن ننتهي من المشاهدة ننتقد كل من حولنا ونحن جالسين على الأرائك  ننظر وننظر بعد أن تمتلئ بطوننا بخيرات بلادنا . بدأت تحكي القصة ...

أنا أم لثلاث بنات أذهب إلى عملي في الصباح الباكر يومياً استوقفني أحد الجيران ليخبرني بأنه عثر على حقن ممنوعة بالقرب من باب داره وهذه مخالفة وسوف يبلغ الشرطة عنها ولكن من أجل هذه السيدة وبناتها قرر أن يفاتح الزوجة أولاً حتى لا تسيء فهمه ولكونها شخصية تستحق كل تقدير شكرت الجار على أخلاقه وفقدت صوابها هل يعقل أن زوجها يتعاطى المخدرات ؟! ما أصعب وقع هذه الصدمة عليها ! يا للهول ! وهي تترك بناتها مع زوجها وبدأت تربط بين سلوكيات زوجها العدوانية وشراسته وبدأت تحكي عن ألمها كزوجة دخلت إلى المنزل كالمجنونة لقد تذكرت كيف أنني طلبت منه إحدى هذه الحقن لأختي حتى أساعدها لأنها تعاني من الآم المفاصل لكنه رفض بشدة لأنها حقن مخدرات أي ذنبٍ اقترفت هذه السيدة لتعاني مثل هذه القضية مع هذا الزوج الأب وبدل أن يحميها عليها أن تحمي نفسها وبناتها منه .

تجادلت معه كثيراً وعدها بالتوبة ولكن هذا موضوع يحتاج إلى قوة أكبر بكثير من قوة الزوجة هذا موضوع يحتاج إلى دعم نفسي وتفهم وأخصائيين وأحب أن أشير إلى أن هذه الزوجة متعلمة تحمل شهادة على مستوى عالٍ ولديها أخلاقيات دينية توظفها في الحياة فطرح موضوع الطلاق على العائلة مرفوض وبشدة ولا زالت هناك عائلات تخجل من شيء اسمه  الطلاق وبذكائها تفهمت مشكلتها ومشكلة المجتمع ولكن حبها لبناتها أجبرها على إيجاد حل منطقي تابعت زوجها ووعدها بالعدول عنه ولكن على ما يبدوأنها عودة كاذبة ودون أن تخبر أحداً تصرفت بطريقة بطولية أخرجت نفسها من هذا المأزق بالشكوى للجهات المختصة فهذا وباء ويجب التخلص منه ويجب التعامل مع أكثر من جهة للتخلص من هذه المشكلة

لقد وضعت زوجها في المكان الذي يستحقه وفعلاً إنها مجاهدة وقوية وموظفة لمبادئها الدينية والأخلاقية .

دخلت في معاناة مع أهل زوجها ودخلت في معاناة تحمل مسؤوليات الإنفاق مما تحصله شهرياً هي صغيرة السن كبيرة المواقف البطولية يتحدثون عن المساواة بين الرجل والمرأة فهذا موضوع يتأرجح لصالح الطرف الموجب ولا يوجد مساواة

فالمساواة تعني أن نفرض موقفاً مساوياً للمسؤوليات المطلوبة منا وليس التهرب إلى الخيالي منها . ذهلت مما سمعت ولكنها فعلاً سيدة رائعة ما أجمل أن تكون قوياً شرساً تدافع عن أبنائك ! وما أجمل أن يستطيع المرء الانتقام لنفسه من هذا الوباء الخبيث ! سألتها : وكيف استطعت ذلك ؟ 

قالت : أخاف منه على بناتي وليس على نفسي ولا بد أن تحل المسألة . سألتها : ألم تفكري بالانفصال ؟

قالت : سأدخل في دوامةٍ لا حدود لها وأنا آثرت بناتي على نفسي . فعلاً أكبّر فيها هذا الموقف أكبّر فيها هذا الحزم وهذه القوة وبدأت مهمتي تقترب من الانتهاء وافترقنا لقد جمعتنا الوظيفة والعمل الجاد وأبعدنا انتهاء الوظيفة ولكنها علقت في ذهني ولم تغب عني مضت أيام وأشهر وسنين كثيرة وكلفت بمهمة أخرى لتكون على رأس القائمة واحدة من المكلفات معي نسيت اسمها ولم أعرف أنها هي فهكذا نحن تنسينا الأيام الكثير من الأمور وخاصة عندما نكون مشغولين استأذنت لأنها مضطرة للمغادرة بسبب ظرف خاص من اليوم الأول أكيد أن السبب متعلق بالأولاد والقضايا المنزلية التي تشغل كل امرأة عاملة وخاصة الأمهات المستقلات اللواتي يتحملن المسؤولية وحدهن وتحت ظل وهمي لأحد الناس صحيح أنهن تزوجن ولكن لا أزواج حقيقيين بحياتهن ووجود مثل هؤلاء الأزواج يحجب عنهن خدمة الأهل أوالأقارب أوالجيران أما الأولاد فهم دائماً موجهون نحوتحقيق مستوى جيد من الدراسة أويشاهدون التلفاز أومع الأصدقاء صحيح إنها تمتلك عقد زواج مصدق ومثبت من الجهات الرسمية ولكن في الحقيقة هي وحيدة بكل معنى الكلمة انتهى يوم وبدأ يوم عمل جديد ولكنني أهملت قضيتها ولن أخوض فيها لأنني أتألم نفسياً من مثل هذه القضايا أصبحت أبحث عن الأشياء الجميلة فما لي والناس !! 

وبعد أيام استأذنت السيدة ذاتها لظرف خاص وأنها لولا ظروفها الصعبة لما أتت وأنا أكره أن يبقى الإنسان مستخدماً ظروفه العائلية للتخلص من مهامه المطلوبة لم أعد اكترث كالسابق لمثل هذه الظروف ! 

قلت لها: ما هوظرفك ؟

قالت : ماتت ابنتي قبل فترة وأموري ليست على ما يرام .

لقد آلمتني فعلاً للمرة الثانية وكيف حدث ذلك ؟ 

قالت : أكيد أنك سمعت عن القصة !

قلت لها : لا ما هي القصة ؟ يبدوأننا أمام الجزء الثاني من قصتها بعد عشر سنوات مضت

قالت : لقد قامت بدهسها سيدة وهي تعود بسيارتها إلى الخلف دون أن تراها .

يا للهول !! وبعد ذلك _ وباختصار شديد _ لقد صعقتني ميتتها . 

سألتها : وماذا حدث مع زوجك ؟ 

قالت : لقد تعالج وخرج من السجن وبعد أن دهست البنت استلم مبلغاً من المال هودية ابنته وقيمتها عشرة آلاف دينار ولكن للأسف الشديد عاد لتعاطي المخدرات مرة ثانية وتم إلقاء القبض عليه وأنا أحسد ابنتي لأنها ماتت ولكني في صراع مع مسؤولياتي التي لا تنتهي ولم تعد صحتي كالسابق وأصبت بكثير من الأمراض 

ماذا يمكن أن أقول لها ؟! وأي مصيبة تواجه هذه المرأة ؟! ولكني سألتها : ألديك الرغبة بالخروج اليوم ؟! مع أنني لا أهتم كثيراً لما ستفعله بالمغادرة ولكن خرج من فمي هذا السؤال !

قالت : لدينا حفلة وداع  وتعقبها حفلة زواج لإحدى القريبات ولدي الرغبة بتهيئة بناتي للحفلة إن لم يكن لديك مانع ؟ وأنت تعلمين مدى إخلاصي لعملي .

إنها صادقة لقد أعجبتني مرة ثانية فهي عملية ومنطقية جداً لماذا لا تستمتع بهذه الحياة ؟! بدلاً من أن  تبقى  سائرة على القمامة المخلوطة بالزجاج المهشم المؤذي فلنا أن نختار السير  تحت الظلال وعلى الأوراق الساقطة ونتناسى بعض الماضي ولننظر إلى المستقبل .

ولكن انتظري « إذا لم يكن هناك إحراج « ماذا فعلت بنقود دية ابنتك ؟ ولماذا لم تتحسن ظروفك للآن ؟ 

قالت : لقد جمعت مبلغاً من المال من عملي واشتريت قطعة أرض صغيرة في منطقة نائية قبل أن ترتفع أسعار الأراضي هناك وبقي عليّ بعض الالتزامات أما هذا نقود الدية فهي في البنك باسم زوجي لأن القانون يسلم الدية لولي الأمر وهوأثبت لنا أنه مستقيم ولم نكن نتوقع منه هذا السلوك مرة أخرى ولازلت أعيش على دخلي الخاص دون أن مساعدة أحد سوى أن بعض أفراد العائلة يتعاطفون معي من أجل بناء سكن متواضع لأتخلص من موضوع الإيجار الذي عانيت منه لسنوات ولأعيش مع أبنائي في البيت بعد تقاعدي لأن راتبي لن يكفي للعيش إذا لم أفعل ذلك وسوف أستعين بمكافأتي في نهاية المدة لترتيب الأمور أما زوجي فهوسلبي جداً لا دخل له بنا إطلاقاً ثم خرجت هذه السيدة المكافحة لتكمل رحلتها الشاقة في الحياة ولعل قصتها تكون عبرة لمن يعتبر فقد تعلمت منها التصالح مع الحياة والاستمتاع قدر استطاعتي بها .