· 

الى الكادحين بصمت... كل عام وانتم بخير

إبراهيم درويش/ العربي المستقل

💠

تبدّلت الكثير من ملامحي، على الرغم من أن الأصدقاء وبعد سنوات طويلة على آخر لقاء جمعنا، لا زالوا يؤكدون أنني ما زلت كما أنا، باستثناء مآثر بعض الشَعر المقاوم، الذي ملّ المواجهة، فقرر أن يلتحق بركب المتساقطات، بلا عودة. كلام الأصدقاء، يخالفه رأي المرايا الصادقة، التي حاولت أن استقصي انطباعاتها على حدة، علّها تخالف ما أسرّت به صديقاتها، الا أنها جميعاً عكست صورة مخالفة للصورة العامة: فراغات في صورتي المنعكسة، راحت تتظهر يوما يوماً... لم يعد رسمي مكتملاً. هل قضمت الحياة أجزائي كما قضمت الكثير  من احلامي؟ او لنقُل قزّمتها؟ كي لا أخون طموحاتي المؤمنة أن الأحلام تسجن ولا تُعدم أو تموت


شرعت أبحث عن هذه الفراغات، التي تجوّفت بلا الم، وأي شعور بالنقصان، بل استفاضت شعورا يميل الى الكمال والاكتفاء، شعور باقتطاع جزء من روح تجسدت في جسم صغير، يغزو حياتك، يلوّنها، يغيّر ملامحك، يسقط عليك "مهمة الابوة". قد يبدو الأمر في مستهلّه ناعماً، جميلاً ووردياً، لحظة قرر كائن صغير أن يصبح هو الحياة. وحدها اللحظات الأولى ما قبل الولادة، وأنت في صالة الانتظار تترقب النبأ السار، كفيلة بأن تصل الماضي بالحاضر، وتبني جسراً عابراً بين عيني ذلك الكهل المترقّب لوصول الحفيد، وبين مستقبل ذلك الوافد الجديد. عندها يمكنك فقط أن تبدأ بإدراك معنى شعور الأبوة، معنى أن تقتطع أجزاء من روحك وتتجسد في مولود من صلبك، معنى أن يوجد على الأرض ما هو اغلى من روحك، معنى ان     يصبح القلق بدَهيا، والخوف مبررا، والحرص ليس ترفاً، وأن تصبح الموانع والمحظورات ضرورات مشرعة.


يُقال "فاقد الشيء لا يعطيه، ومالك الشيء من يدرك قيمته"، فمع كل يوم يمر، تزداد قناعتي بأن ذلك الغازي الأبيض في شعرك، هو اوسمة كفاح ونضال، وان تلك السمرة على جبينك هي رحلة عطاء. ابي ان كان هنالك ما اخشاه اليوم، فهو الا أكون لأولادي ما كنته لي، هذا جل جزعي وخوفي، ولكني كل ما نهلت من بئر عصاميتك، ازددت صلابة واصراراً، وتأكدت ان ما الصعاب الا مصانع الرجال، لأمضي بضهر محمي، وافق لا حدود له. الى ابي.. وكل الآباء ...


الى المجاهدين بصمت، الى سرائر العائلة، ودروعها، الى أعمدة أركانها، كل عام وانتم بخير، والى من رحلوا في منتصف المعركة، لا عرف اليباس زرعكم، ولا عرف السوس سبل ثماركم.