ديناميات القوى الجيوسياسية الجديدة في عصر الطاقة المتجددة


بحث عدد من قادة السياسة والأعمال حول العالم المضامين الجيوسياسية بعيدة المدى لتحول قطاع الطاقة في ضوء النمو السريع لحلول الطاقة المتجددة. وفي تقرير جديد أطلقته اليوم خلال الجمعية العمومية التاسعة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، أشارت اللجنة العالمية المعنية بالجغرافيا السياسية لتحول قطاع الطاقة إلى أن النتائج الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية لعصر جديد من الطاقة قد تكون بمستوى النتائج التي رافقت عملية التحول من الكتلة الحيوية إلى الوقود الأحفوري قبل قرنين من الزمن. ويشمل ذلك حدوث تحولات في الوضع النسبي للدول، وظهور قادة جدد للطاقة، وزيادة تنوع الجهات الفاعلة في القطاع، وتغير العلاقات التجارية، ونشوء تحالفات جديدة.


ويشير تقرير اللجنة، الذي يحمل عنوان "عالم جديد"، إلى أن تحول قطاع الطاقة سيغير سياسات إدارة الطاقة التي نعرفها اليوم. وخلافاً للوقود الأحفوري، فإن مصادر الطاقة المتجددة تتوفر بشكل أو بآخر في معظم المواقع الجغرافية. ومن شأن هذه الوفرة أن تعزز أمن الطاقة وتحقق استقلالية أكبر لمعظم الدول في مجال الطاقة. وفي الوقت ذاته، ومع قيام الدول بتطوير مواردها من الطاقة المتجددة وزيادة دمج شبكاتها الكهربائية مع الدول المجاورة، ستظهر أشكال جديدة للترابط والأنماط التجارية. وتوقع التقرير أن ينحسر الصراع المرتبط بالنفط والغاز، وكذلك الأهمية الاستراتيجية لبعض المضائق البحرية.


وأشارت اللجنة إلى أن تحول قطاع الطاقة سيؤدي أيضاً إلى ظهور قادة جدد لقطاع الطاقة مع ازدياد نفوذ بعض الدول لضخها استثمارات كبيرة في تقنيات الطاقة المتجددة. وعلى سبيل المثال، عززت الصين مكانتها الجيوسياسية من خلال ريادتها في سباق الطاقة النظيفة لتصبح أكبر دولة في إنتاج وتصدير وتركيب الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والبطاريات، والسيارات الكهربائية في العالم. وقد يشهد مصدِّرو الوقود الأحفوري انحساراً في مستوى نفوذهم وتأثيرهم حول العالم ما لم ينجحوا بتكييف اقتصاداتهم مع عصر الطاقة الجديد.


وبهذه المناسبة، قال أولافور جريمسون، الرئيس السابق لجمهورية آيسلندا ورئيس اللجنة: "يمثل هذا التقرير أول تحليل شامل للتبعات الجيوسياسية لتحول قطاع الطاقة نحو المصادر المتجددة، وركيزةً أساسية لتعميق فهمنا لهذه القضية". وأردف قائلاً: "تساهم ثورة الطاقة المتجددة في تعزيز الموقع القيادي للصين على الساحة الدولية، وتقلل في الوقت نفسه من نفوذ مصدّري الوقود الأحفوري، وتحقق استقلالية الطاقة لدول العالم. وثمة مستقبل جيوسياسي مشرق ينتظر دول آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكيتين لأن تحول قطاع الطاقة سيؤدي إلى حدوث تغييرات كبيرة في موازين القوى".


من جانبه، قال عدنان أمين، مدير عام الوكالة الدولية للطاقة المتجددة: "إن تحول قطاع الطاقة العالمي بالاستناد إلى مصادر الطاقة المتجددة سيحد من التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة، ويرسي أسساً أفضل للتعاون بين الدول. ومن شأن هذا التحول أيضاً أن يخفف من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي غالباً ما تكون من الأسباب الرئيسية للتجاذبات والنزاعات الجيوسياسية".


وأردف أمين قائلاً: "عموماً، ينطوي تحول قطاع الطاقة العالمي على العديد من الفرص والتحديات في آن معاً؛ إلا أن الفوائد تفوق التحديات شريطة أن يتم اتباع السياسات والاستراتيجيات الصحيحة. وحريٌ بالقادة وصناع السياسات أن يتوقعوا هذه التغييرات، وأن يكونوا قادرين على إدارة البيئة الجيوسياسية الجديدة المنبثقة عنها".


وتقول اللجنة أيضاً إنه يمكن للدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود الأحفوري أن تحسّن ميزانها التجاري وتقلل المخاطر المرتبطة بخطوط إمدادات الطاقة وتقلب أسعار الوقود، وذلك من خلال تطوير حصة أكبر من الطاقة محلياً. وانطلاقاً من الدور المحوري للطاقة في التنمية البشرية، يمكن لمصادر الطاقة المتجددة أن تساهم في وصول الجميع إلى الطاقة، فضلاً عن توفير فرص العمل، ودعم النمو الاقتصادي المستدام، وتحسين الأمن الغذائي والمائي، وتعزيز الاستدامة، ومرونة المناخ، وتحقيق الإنصاف في فرص التنمية.


يُشار إلى أن اللجنة العالمية المعنية بالجغرافيا السياسية لتحول قطاع الطاقة أطلقت هذا التقرير خلال أعمال الجمعية العمومية التاسعة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة "آيرينا" بحضور نخبة من كبار المسؤولين وصناع القرار من أكثر من 150 دولةً.