خبير قمرة السينمائي جيانفرانكو روسي لصناع الأفلام في قمرة: قوة الفيلم الوثائقي تكمن في هيكليته وصدقيته

قدّم خبير قمرة السينمائي جيانفرانكو روسي، المخرج الوثائقي الوحيد الفائز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي، ندوته الدراسية في ملتقى قمرة السينمائي الذي تقدمه مؤسسة الدوحة للأفلام، فشدّد في حديثه إلى المخرجين الواعدين والجمهور على أهمية اعتماد الهيكيلية الصحيحة والمناسبة في صناعة الفيلم الوثائقي قبل البدء بمراحل التنفيذ.

وعرض المخرج الإيطالي، على غير عادته، لمحة عن مشروعه المقبل "نوتورنو" الذي يدور حول الحياة في الشرق الأوسط، ويعتبر الفيلم الوثائقي الأول للمخرج الذي يتناول المنطقة حيث حمل كاميراته من قبل إلى الهند والولايات المتحدة وروما وجزيرة لامبيدوسا ليحقق إشادة واسعة لقاء أعماله المميزة. وفي فيلمه الوثائقي الجديد، يسعى روسي إلى إلقاء نظرة أقرب على الحدود المصطنعة التي رسمها التاريخ وكيف غيرت هذه الحدود مصائر الشعوب

ومن خلال اختياره للمواضيع وتعديلها للتناسب مع فن الأفلام الوثائقية، قدم روسي درساً لصناع الأفلام الواعدين يعتبر بمثابة قاعدة يجب اتباعها سواء في الأفلام الروائية أو الوثائقية أو القصيرة. ويتركز هذا الدرس حول فكرة الهيكلية، من حيث الشكل والمضمون، والتي يمكن وضعها على حدّ وصفه "من خلال النفاذ إلى نفوس الناس والغوص بعمق في الحقائق لإيجاد عنصر سردي واحد يتمحور حوله الفيلم".

وقال روسي في هذا الصدد خلال ندوته الدراسية: "كل شيء يبدأ بصدام. يمكن أن يكون مكاناً أو شخصاً، في العادة لا أتعمق كثيراً في البداية، لكن عند الوصول إلى هيكيلية السرد أتأكد من ربط كل العناصر معاً من اللقطة الأولى وحتى آخر لحظة في المونتاج".

وتظهر قوة السرد في أعمال روسي خصوصاً في فيلمه "نار في البحر" (إيطاليا، فرنسا / 2016) الفائز بجائزة الدب الذهبي في برلين والذي عرض في قمرة في قسم عروض أفلام خبراء قمرة. تدور أحداث الفيلم في جزيرة لامبيدوسا حول حياة سكان الجزيرة وكذلك المهاجرين الذين وفدوا إليها على طريقهم من إفريقيا إلى أوروبا. إنها قصة محزنة للغاية تجسّد أزمة المهاجرين.

وتماماً كأعماله السابقة، استعد روسي لإنجاز الفيلم بشكل متقن. أمضى شهرين مع طاقمه على متن قارب نجاة قبل أن يشغل كاميرته، حيث لم يكن يريد أن يتدخل في حياة المهاجرين أو المنقذين خصوصاً في اللحظات الحرجة عند إنقاذهم من المياه.

هذه الاستعدادات تنطبق على أعمال روسي الأخرى منها فيلم "رجل القارب" الذي حقق إشادة واسعة من النقاد والجمهور. كان روسي لتوه متخرجاً من كلية نيوويرك الجامعية للأفلام وسافر إلى الهند على الرغم من أنه لم يعرف على ماذا كان يبحث هناك على حدّ تعبيره. "لقد كانت رحلة استكشاف، أمضيت شهرين أبحث عن فكرة لتصوير أول لقطة. كانت كارثة بحق".

قرر روسي استكشاف منطقة بينارس من وجهة نظر "سائح" فالتقى برجل القارب جوبال الذي وجده "طريفاً وساحراً" وأخبره المئات من القصص. من هنا، يقول روسي، جاءت فكرة فيلم "رجل القارب" الذي يجسد بينارس بعيون جوبال وعيون السائح.

وأضاف روسي: "يجب أن أجد الحقيقة في الموضوع الذي أعمل عليه. وإلى اليوم لا أعتمد على الملاحظات فقط عند المونتاج النهائي بل على ذاكرتي أيضاً، وبهذا أجد مكاناً للحظات العاطفية عن الناس والأماكن خلال وقت التصوير".

وتبقى "إيجاد الحقيقة في الموضوع" فكرة ملحة في أعمال المخرج الإيطالي، من ضمنها أفلامه "تحت مستوى سطح البحر" الذي يتساءل فيه عن عالم الفقراء في صحراء كاليفورنيا

أما التقدير الكبير الذي حصل عليه روسي، فجاء من المشروع الذي لم يرد في الأصل أن ينجزه. ويقول في هذا الصدد "خلال أزمة شخصية مررت بها، طلب مني أن أصنع فيلم "صاغرو جي آر أي" وهو أول فيلم وثائقي فاز بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي ويدور حول الحياة على الطريق السريع الذي يحيط بروما. أجبرت نفسي على إيجاد الشرارة لأبدأ الفيلم، حتى أدركت بأنني أفقد جوهر الحقيقة، وبأن جميع الأحداث تقع في مكان تخيلي".

من خلال نقل الأفلام الوثائقية إلى مستوى الخيال والاعتماد على الذاكرة إلى جانب ألواح القصص، ابتكر روسي دينامية جديدة في الأعمال الوثائقية. وبهذا، ألهم الجيل القادم من المواهب السينمائية لسرد قصصهم بنزاهة وصدق.

Write a comment

Comments: 0